جاء تصريح نائبة الممثل الأميركي لدى الأمم المتحدة، السفيرة تامي بروس، في السابع والعشرين من كانون الثاني (يناير) 2026، ليربط صراحةً بين استمرار بعثات حفظ السلام وبين ما تحققه من "عائد على الاستثمار"، مع التأكيد أن مجلس الأمن لا ينبغي أن يموّل مهام لا تقود إلى نهايات قابلة للتنفيذ على الأرض. هذا الربط لم يكن توصيفًا تقنيًا لأداء بعثة بعينها، بل إعلانًا عن معيار جديد تُقاس به جدوى أي انخراط دولي طويل الأمد.
على هذا الأساس، لم تعد واشنطن ترى مبررًا لاستمرار بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحُديدة، بعد أن تحوّلت، مع الوقت، إلى غطاء سياسي وأمني عطّل أي مساءلة حقيقية. استمرار البعثة لم يعد يساعد على الانتقال من إدارة أزمة مزمنة إلى معالجة أسبابها، بل جرى استنزافها بفعل السلوك الحوثي، الذي حوّلها من أداة تنظيم ومراقبة أممية إلى مظلة جمود استُغلت لتجميد الواقع القائم دون كلفة تُذكر.
وجاء هذا التقييم خلال مناقشة مجلس الأمن لتمديد أخير ومحدود زمنيًا لولاية بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة، مع تحديد 31 آذار (مارس) 2026 موعدًا لانقضاء مهمتها نهائيًا. وقد أُنشئت البعثة أصلًا بموجب القرار 2452 (2019)، واستمر عملها قرابة ست سنوات دون تحقيق تقدم فعلي في تنفيذ مهامها الأساسية، وفي مقدّمتها مراقبة وقف إطلاق النار وضمان إعادة الانتشار وفق اتفاق ستوكهولم. وورد في بيان رسمي أميركي مرتبط بهذه الجلسة أن الاستثمارات الكبيرة في بعثات حفظ السلام يجب أن تكون مبرَّرة بنتائج قابلة للتنفيذ، وأن العرقلة الحوثية أفقدت البعثة غرضها، ما مهّد لإنهاء مهمتها بحلول نهاية آذار (مارس).
وهنا تحديدًا، يخرج الخطاب الأميركي من منطق الالتزام المفتوح إلى مقاربة تربط الدعم بالنتائج والسلوك على الأرض، حيث لم تعد البعثات قيمة بحد ذاتها، بل أدوات تُقيَّم بقدرتها على تغيير السلوك وتحقيق أهداف قابلة للتحقق، وأن أي مهمة لا تُنتج أثرًا سياسيًا عمليًا تُعاد مراجعتها، وأي مسار يتحوّل إلى غطاء يشرعن التعطيل يُسحب عنه الغطاء. بلا شك، هذا التحوّل يعكس موقفًا أعمق مفاده أن واشنطن لم تعد مستعدة لهدر الموارد في بعثات فاشلة تتحوّل إلى مظلة أمان لأطراف تستثمر في الفوضى أو تتغذّى على تعطيل الاستقرار ونشر الإرهاب؛ فلم يعد مقبولًا تمويل مهام دولية تُستخدم لتجميد الأزمات بدل حلّها.
وبناءً عليه، لا يُفهم سحب بعثة الحديدة بوصفه انسحابًا أو تراجعًا، بل رفعًا متعمّدًا لمظلة أمان استُغلت طويلًا. هذه الخطوة تمثّل تحذيرًا مبكرًا ضمن سياسة خارجية باتت أكثر صراحة مع الأطراف التي تراهن على إدامة الفوضى. وفي الحقيقة، فإن هذا الإطار تؤكد الولايات المتحدة باستمرار أن الخيارات العسكرية ستظل مطروحة على الطاولة إذا أخفقت الدبلوماسية، وأن وزارة الحرب ستفعل كل ما هو ضروري لحماية المصالح الأميركية. وفي رسالة ذات دلالة، ذكّرت وزارة الحرب الأميركية مؤخرًا بأن الجيش الأميركي "اختبرته أحداث كبرى عبر تاريخه الممتد لأكثر من 250 عامًا"، في إشارة واضحة إلى أن منطق الردع الحالي ليس وليد اللحظة، بل امتداد لعقيدة راسخة في التعامل مع التهديدات.
بلا شك، لا يقتصر هذا النهج على الملف اليمني، ففي مواقف متزامنة تتعلّق بالمساعدات الدولية، شددت الإدارة الأميركية على عدم التسامح مع أي هدر أو تحويل غير مشروع للموارد. وقد تجلّى ذلك بوضوح في الصومال في كانون الثاني (يناير) 2026، حين علّقت واشنطن مساعدات إنسانية ممولة أميركيًا، قبل أن تربط استئنافها بضمانات رقابية واضحة تمنع الاستغلال السياسي أو الإداري. ويختصر بيان صادر عن وزارة الخارجية الأميركية هذا المنطق بعبارة شديدة الوضوح: "أموال دافع الضرائب الأميركي ليست صدقة خاصة"، وأن كل دولار من المساعدات الخارجية يجب أن يخدم المصلحة الوطنية الأميركية.
ومع اتساع هذا المنحى، لم يعد مقتصرًا على ساحة نزاع بعينها. ففي اجتماع غير رسمي في مجلس الأمن حول صون المعاهدات الدولية، قدّم السفير الأميركي جيفري بارتوس منطق "إعادة التقييم الدقيق" للاتفاقيات والمنظمات الدولية، بوصفه نهجًا رسميًا يقوم على فحص الجدوى والاتساق مع المصلحة والسيادة الوطنية، حيث يأتي هذا التحوّل ضمن إعادة ضبط أوسع في السياسة الأميركية، لا انسحابًا ولا اندفاعًا غير محسوب، بل إعادة تعريف لطبيعة الانخراط الدولي نفسه.
في المحصّلة، لا يتعلّق الأمر ببعثة أُغلقت أو مساعدات أُعيد ضبطها، بل بإعادة تعريف أميركية صارمة لطبيعة الانخراط الدولي ذاته. فالولايات المتحدة، بوصفها قوة عظمى خبرت الحروب والردع عبر تاريخها الممتد، لم تعد تنظر إلى البعثات الأممية والمساعدات بوصفها التزامًا مفتوحًا، بل أدوات سياسية مشروطة تُدار بمنطق النتائج والكلفة والسلوك. وحين تُستغل هذه الأدوات لتكريس الجمود أو حماية الفوضى، تُرفع المظلة عمدًا ويُترك المشهد لموازين القوة كي تحسمه بلا أقنعة دبلوماسية. هذه ليست سياسة ظرفية، بل امتداد لعقيدة راسخة اختُبرت لعقود طويلة، تقوم على أن الردع وإمكانية الحرب يظلان جزءًا أصيلًا من إدارة الاستقرار، لا استثناءً طارئًا عليها.

