: آخر تحديث

مسار السلام

2
2
1

استيقظت المنطقة أمس على مشهد ثقيل اختصر سنوات من التوتر في ساعات قليلة، الضربات المتبادلة اتسعت في نطاقها، والعواصم الخليجية دخلت فجأة في قلب معادلة عسكرية كانت تدور عند أطرافها، صفارات الإنذار، إغلاق الأجواء، رفع درجات الجاهزية، بيانات متلاحقة من العواصم المؤثرة.. لحظة مكثفة أعادت رسم حدود القلق في الإقليم، ووضعت الاستقرار أمام اختبار مباشر.

دخول الخليج إلى مسرح المواجهة كشف حجم الترابط بين أمنه وأمن المنطقة بأسرها، هذه العواصم التي بنت حضورها خلال العقود الماضية على الاستقرار والانفتاح وجدت نفسها أمام واقع يفرض حماية مكتسباتها وصون بنيتها الحيوية. الممرات الجوية والبحرية، منشآت الطاقة، الأسواق، حركة التجارة، جميعها تحولت إلى عناصر حساسة ضمن حسابات الردع والرسائل المتبادلة.

المملكة أعلنت موقفاً واضحاً برفض استخدام أجوائها لأي عمليات عسكرية، تأكيداً لسيادتها وحرصاً على تحصين مجالها الوطني من تداعيات صراع يتسع نطاقه، هذا الموقف يعكس رؤية تقوم على حماية الداخل وتغليب الاستقرار ومنع انتقال المواجهة إلى أراضيها، في المقابل استمرت ردود الفعل العسكرية في التمدد، وارتفعت حدة الخطاب، ما زاد من حساسية اللحظة الإقليمية.

في مثل هذه الظروف يبرز سؤال المسار أكثر من سؤال اللحظة، التصعيد يحمل منطقه الخاص ويتغذى على الردود المتتالية ويعيد إنتاج نفسه كلما اتسعت دوائره. الاستقرار يحتاج إلى قرار واعٍ يعيد الاعتبار للسياسة ويمنح الدبلوماسية مساحة للتحرك، المنطقة لا تحتمل تحولاً طويل الأمد لتكون ساحة اشتباك مفتوح، ومشروعاتها التنموية تتطلب بيئة مستقرة وواضحة.

مسار السلام عملية سياسية تتطلب شجاعة في اتخاذ القرار وقدرة على إدارة التوازنات الدقيقة، يتطلب تفعيل قنوات الاتصال وتحريك الوساطات وضبط الإيقاع العسكري ضمن حدود واضحة، الأمن الإقليمي يرتبط بتفاهمات مستدامة تحفظ السيادة وتحمي المصالح وتمنع الانزلاق نحو مواجهات أوسع.

المستقبل يتشكل الآن في ضوء الخيارات المتاحة، كل خطوة نحو التهدئة تعزز الثقة، وكل مساحة تُفتح للحوار تقلص من احتمالات الاتساع، العواصم الخليجية التي وجدت نفسها في قلب المشهد تملك من الخبرة والحكمة ما يؤهلها للدفع باتجاه مسار يرسخ الاستقرار ويحمي المنطقة من استنزاف طويل.

مسار السلام يظل الخيار الأكثر قدرة على صون الأمن وحماية المجتمعات وضمان استمرار التنمية، في زمن تتسارع فيه الأحداث تبقى السياسة الرشيدة الطريق الأقصر إلى استقرار دائم يضع مصلحة الشعوب في صدارة الأولويات.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد