لنفترض أنه مُقدّر لك أن تموت في كارثة مروعة ناجمة عن الذكاء الاصطناعي ـ فهل ستشعر حينها بالغبن أكثر، لو علمت أن طريق الكارثة التي حلت بك، مهدته غطرسة أباطرة التكنولوجيا في «وادي السيليكون»، من الساعين وراء أحلام المدينة الفاضلة والخلود، أم بسذاجة مسؤولي البنتاغون الذين منحوا الذكاء الاصطناعي دفعة مصيرية من الاستقلالية والقوة على أمل التفوق على الروس أو الصينيين؟
في الواقع، لقد انشغلنا في الجزء الأكبر من حقبة «الحرب الباردة» بحماقات عسكرية، ولعب الذكاء الاصطناعي دوراً في تأجيج مخاوفنا حتى آنذاك: «آلة يوم القيامة» السوفياتية في فيلم «دكتور سترينغلوف»، والحاسوب الذي ينخرط في ألعاب الفيديو في فيلم «ألعاب الحرب»، وبالطبع قرار «المُدمر» المصيري بجعل «سكاي نت» قابلة للتشغيل.
ومع ذلك، نجد أنه خلال السنوات القليلة الماضية، ومع تركيز التقدم في مجال الذكاء الاصطناعي لسلطة هائلة محتملة في أيدي عدد قليل من الشركات والرؤساء التنفيذيين - المتجذرين بدورهم في ثقافة منطقة خليج سان فرانسيسكو، التي تمزج بين أحلام الخيال العلمي ومخاوف نهاية العالم - أصبح من الطبيعي أكثر أن ننشغل بالسلطة والطموح على صعيد المؤسسات الخاصة، وبالطامحين إلى السيطرة المطلقة على الذكاء الاصطناعي، بدلاً من التركيز على الرؤساء والجنرالات.
واستمرت هذه الحال حتى شهدنا الصدام الحالي بين وزارة الدفاع الأميركية وشركة «أنثروبيك»، الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي، حول ما إذا كان ينبغي تقييد نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بـ«أنثروبيك» بالقيود الأخلاقية التي تلتزمها الشركة، أم إتاحتها لجميع الاستخدامات، التي قد يسعى وراءها البنتاغون.
وبما أن الاستخدامين اللذين يستبعدهما عقد «أنثروبيك» الحالي صراحةً هما: استخدام الذكاء الاصطناعي للمراقبة الجماعية، واستخدامه في أسلحة ذاتية التشغيل بالكامل (أي من دون أي تدخل بشري في عملية اتخاذ قرار القتل من عدمه)، فمن السهل استشعار أجواء شبيهة بشبكة «سكاي نت» حول مطالب البنتاغون. وحسبما أشار مات إيغليسياس، فإن جميع السيناريوهات الغريبة والمعقدة التي يروج لها المتشائمون بخصوص الذكاء الاصطناعي، ستزداد بساطة بكثير إذا قررت حكومتنا البدء في بناء روبوتات قاتلة ذاتية التشغيل. بطبيعة الحال، ليس هذا ما يصرح البنتاغون بعزمه على فعله. أما قلقه المعلن، فيكمن في أنه لا يستطيع دمج تكنولوجيا بالغة الأهمية في بنية الأمن الوطني، ثم يمنح شركة خاصة حق النقض (الفيتو) الأخلاقي العام على استخدامها، حتى لو بدت هذه الأخلاقيات منطقية نظرياً. وبطبيعة الحال، فإن تنفيذ ذلك من شأنه تفويض قرارات من المفترض أن يتخذها رئيس منتخب ومن يعينهم، ويُخاطر بكارثة عندما لا تتوافق الأحداث مع القيم التي تلتزمها الشركات. (المثال الذي طرحه البنتاغون وقوع هجوم صاروخي فرط صوتي ضد الولايات المتحدة، حيث ترفض شركة ذكاء اصطناعي المساعدة في توجيه رد فعل حاسم، لأنها تخالف قاعدة عدم استقلالية الآلات).
ومع ذلك، حتى وإن كان هذا مصدر قلق مشروع، فإنه لا يبرر خطة الإدارة (حتى كتابة هذه السطور على الأقل) لشن حرب فعلية على شركة «أنثروبيك»، ليس فقط عبر إنهاء علاقة الجيش بالشركة، بل كذلك بتصنيفها «خطراً على سلسلة التوريد»، ما سيؤدي إلى قطع علاقاتها مع أي شركة تتعامل مع الحكومة الأميركية.
وتعني محاولة تقويض «أنثروبيك» نهاية تلك الحرية والتحول نحو نهج أشد مركزية وعسكرة. وهذا بحد ذاته سبب وجيه يدفع قطاع الذكاء الاصطناعي بأكمله، إلى الوقوف إلى جانب شركة «أنثروبيك» والمقاومة معها. وإذا كنت تخشى سيناريو «سكاي نت»، حيث يؤدي التحكم العسكري إلى تسريع غير حكيم في تطوير الذكاء الاصطناعي، فعليك قطعاً أن تكون إلى صف «أنثروبيك». والتساؤل الآن: هل هذا السيناريو الذي يجب أن نخشاه أكثر من غيره؟ في الوقت الراهن، إذا أنصت إلى رئيس «أنثروبيك»، داريو أمودي - على سبيل المثال، خلال المقابلة التي أجريتها معه قبل أسبوعين - فستجده أكثر إدراكاً من بيت هيغسيث لمخاطر الذكاء الاصطناعي التي تحمل صبغة عسكرية. (أرحب بهيغسيث ليثبت خطئي من خلال الظهور في البودكاست الخاص بي).
على المدى البعيد، يمكن للمرء أن يتخيل أن مسؤولي البنتاغون سيوفرون بعض المزايا أكثر من أقطاب الذكاء الاصطناعي التقليديين، فيما يتعلق بالسلامة والتحكم. أولاً، يميل مسؤولو البنتاغون إلى التركيز أكثر على الأهداف الاستراتيجية الملموسة، بدلاً من التركيز على الآلات ونقطة التفرد التكنولوجي. ثانياً، يقيّدهم الحذر البيروقراطي وتسلسل القيادة من التورط ببعض المخاطر. ثالثاً، إنهم مسؤولون أمام الشعب، من خلال الانتخابات والرقابة المدنية، على عكس الرؤساء التنفيذيين. وبالتأكيد، ما دام أصبح الذكاء الاصطناعي القوة، التي يعتقد كثير من أصحاب النفوذ أنه سيصبح عليها - قوة قادرة على تغيير الحضارة، وأشد تعقيداً من الأسلحة النووية، وإن كانت لا تقل عنها فتكاً - فيبدو من غير المعقول أن يبقى في أيدي القطاع الخاص. وستظل احتمالات السيطرة العسكرية والتأميم قائمة ما دام أننا بصدد فهم ما قد تفعله هذه التكنولوجيا.
إذن، ما يفعله هيغسيث وإدارة ترمب، بصورة ما، هو إشعال فتيل هذا الصراع الحتمي مبكراً، وطرح التساؤل السياسي الجوهري: من يسيطر فعلياً على مقاليد الذكاء الاصطناعي؟
في الواقع، بخلاف رفض الإدارة قبول الضوابط التي تفرضها الشركات، لا أرى دليلاً يوحي بأنها فكرت ملياً في كيفية إدارة الذكاء الاصطناعي، أو كيف ستؤدي الحرب التي أعلنتها ضد شركة «أنثروبيك»، نهاية المطاف، إلى تحقيق مزيد من القوة أو مزيد من الأمان.
*خدمة «نيويورك تايمز»

