: آخر تحديث

بناء المعنى الاجتماعي للسكن

2
2
2

صيغة الشمري

في المدن الحديثة لم يعد السكن مجرد مسألة امتلاك منزل أو الانتقال إلى حي جديد، إنما أصبح سؤالًا أعمق يتعلَّق بطبيعة الحياة داخل هذا الحي، خصوصاً أن التوسع العمراني السريع خلق مساحات سكنية منظمة ومتكاملة الخدمات، لكنه في المقابل أضعف الروابط التي كانت تمنح الأحياء روحها، فلم يعد الجار يعرف جاره، ولم تعد العلاقات اليومية تنشأ تلقائيًا كما كانت في الأزقة القديمة، وباتت تحتاج إلى وسيط يعيد وصل ما قطعته الحداثة.

وفي هذا السياق، تبدو تجربة «سكني» مثالًا على تحول لافت في التفكير السكني، حيث لم يعد التركيز منصبًا على توفير الوحدات فقط، بل على بناء مجتمع داخلها. وفي تقديري فإن خدمة «سابع جار» تبرز كوسيلة تحول التقنية من عامل عزلة إلى مساحة للتعارف والتواصل، فالفكرة في جوهرها بسيطة، لكنها تعكس فهمًا عميقًا لمشكلة اجتماعية معاصرة، فالإنسان قد يعيش محاطًا بالناس، لكنه يفتقد الشعور بالمجتمع.

وهنا تبرز أهمية إعادة تعريف الحي بوصفه شبكة علاقات ممتدة لا مجرد موقع جغرافي باعتبار أن ذلك يمثِّل خطوة مهمة في مفهوم جودة الحياة، في ظل تأكيد الدراسات الاجتماعية على أن الأحياء المتماسكة تقل فيها المشكلات، ويزداد فيها الإحساس بالأمان والانتماء، وتصبح أكثر قدرة على دعم سكانها في الأزمات والمناسبات على حد سواء، لذلك فإن تمكين الجيران من التعارف وتنظيم المبادرات المشتركة، ولو عبر تطبيق، يفتح الباب أمام عودة الحياة الاجتماعية إلى قلب المدينة الحديثة.

وأرى أن الأمر لا يتعلّق بخدمة رقمية بقدر ما يتعلّق بإحياء قيمة اجتماعية أصيلة، ففي الثقافة العربية، كانت الجيرة جزءًا من الهوية الاجتماعية، وعنوانًا للأمان والكرم والتكافل. ومع تسارع الحياة وتغيّر أنماط السكن، تراجعت هذه القيمة دون أن تختفي الحاجة إليها، وربما أصبحت الحاجة اليوم أكبر، لأن الإنسان في المدن الكبرى أكثر عرضة للعزلة رغم كثافة السكان.

لذلك فإن المبادرات التي تعيد الاعتبار للجار ليست تحسينًا للخدمات، بل استثمارًا في الاستقرار الاجتماعي نفسه، فالمجتمع المتعارف أكثر قدرة على التعايش، وأكثر استعدادًا للتعاون، وأكثر شعورًا بالمسؤولية المشتركة تجاه المكان.

وعمومًا قد لا تعيد التطبيقات جميع أشكال الأحياء القديمة، لكنها قد تعيد معناها الحقيقي، فإذا نجحت مثل هذه المبادرات في تحويل الجيران من أسماء مجهولة إلى علاقات إنسانية، فإنها لن تحسن تجربة السكن فحسب، بل ستعيد تعريف المدينة بوصفها مجتمعًا حيًا، لا مجرد مساحة للعيش.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد