في زوايا طرابلس العتيقة، تحت أنقاض مبانٍ كانت يوماً ملجأً لعائلات - كما في حي باب التبانة الذي انهار عام 2023 وأودى بحياة 5 أشخاص - تكمن قصة أكبر من مجرد إسمنت وحديد. إنها حكاية إهمال ممنهج ومقصود، صيغت خيوطه في دمشق ونُفذت بأيدي أزلامه في بيروت. ما بين نهب المال العام وسقوط الحجر على رؤوس الفقراء، تختزل لبنان مأساة أمة أصبحت رهينة مشاريع وأجندات، تحوّلت مؤسساتها إلى غنائم، وشعبها إلى وقود.
لم يكن الانهيار الاقتصادي ضربة حظ عابرة. كان محصلة نهج طويل من النهب المنظم، الذي حوّل الدولة إلى غطاء لشبكات الفساد. منذ أوزار الحرب الأهلية، وُلدت "جمهورية المحاصصة" برعاية النظام السوري، لا كحل للانقسامات، بل كإطار لتقنين السطو. تحولت المنافذ الحدودية مثل معبر المصنع، والمرفأ، ومؤسسات الكهرباء التي خسرت 90 بالمئة من إيراداتها بسبب التهريب، والاتصالات، إلى إقطاعيات تدار كشركات عائلية، تدر أرباحاً خيالية على أمراء الحرب المتحولين إلى رجال أعمال.
السيطرة السورية المباشرة حتى 2005، ثم الهيمنة غير المباشرة عبر الحلفاء، خلقت نظاماً طارداً للنزاهة. الهم لم يعد خدمة المواطن، بل ضخ الأموال نحو الخزائن الخارجية وتمويل الميليشيات. الولاء لدمشق أصبح معيار الثراء والترقية، فأي مسؤول حاول عرقلة هذه الآلة واجه التهميش أو التهديد. هذه الشبكة المعقدة هي التي سمحت بسرقة مليارات الدولارات عبر فجوة المصارف، حيث هرب ما يقارب 100 مليار دولار من الودائع، محولةً الأموال العامة إلى ثروات خاصة بين ليلة وضحاها.
وفي طرابلس، كانت الضريبة باهظة بشكل خاص: حرمان المدينة المعارضة من التطوير، منح تصاريح البناء عبر وسطاء فاسدين، ورقابة هندسية معدومة. النتيجة: عائلات تعيش في ما يشبه "قبوراً إسمنتيةً معلقةً"، حيث تشير تقارير منظمات حقوقية إلى وجود أكثر من 200 مبنى مهدد بالانهيار في المدينة وحدها. كل حادثة سقوط تفضح ليس فقط تهالك الحجر، بل تهالك الضمير.
الكارثة هنا ذات شقين: مادي يتمثل في غياب أبسط معايير السلامة في البناء والصيانة، وسياسي يتمثل في تحويل المدينة إلى منطقة مهمشة مقصوداً، كي تبقى نموذجاً يرعب أي منطقة أخرى قد تفكر في المعارضة. فساد الترخيص وانهيار البنية التحتية ليسا إلا أدوات في يد الطبقة الحاكمة للحفاظ على هيمنتها عبر خلق مجتمعات منهكة بالمعاناة اليومية.
وراء هذه الكوارث الإنسانية، تكمن الآلة السياسية التي حوّلت الدولة إلى وهم. لقد تم تفكيك مؤسساتها بشكل منهجي، ليس لصالح مشروع وطني، بل لضمان تمسك كل فريق بنصيبه من المغانم. النظام الطائفي تحوّل إلى آلية محكمة لتوزيع الغنائم، حيث أقام كل زعيم دولته داخل الدولة: بميليشياته، مؤسساته الاجتماعية، وشبكته الاقتصادية الخاصة.
حتى في أحلك لحظات الانهيار، كما في انفجار مرفأ بيروت 2020، تحوّلت الكارثة إلى فرصة للصراع على النفوذ بدلاً من لم الشمل لمواجهة المأساة. لقد نجح هذا النظام في خلق دائرة مفرغة: الفساد ينتج أزمات، والأزمات تزيد من اعتماد الناس على الزعماء الطائفيين لتأمين حاجاتهم الأساسية، مما يزيد من تغول هؤلاء الزعماء وهيمنتهم.
وهكذا وجد اللبنانيون أنفسهم في مواجهة مفارقة قاسية: المجاراة أو التهميش. كثيرون اضطروا إلى التعامل مع شبكات الفساد نفسها لتأمين دواء لمريض، أو وظيفة لشاب، أو حتى منع هدم منزل. خلقت هذه الآلة مجتمعاً منهكاً، يكافح للبقاء، فاقداً للثقة بأي بديل. ثقافة "الواسطة" و"التبعية" أصبحت قانون العيش، مما أضعف أي محاولة لتشكيل جبهة رفض شعبية حقيقية.
النتيجة النهائية هي دولة منهارة بكل ما للكلمة من معنى: انهيار اقتصادي هو الأكبر في تاريخ العالم الحديث منذ القرن التاسع عشر، حيث فقدت الليرة أكثر من 95 بالمئة من قيمتها، وانهيار بنيوي يظهر في شوارع تتفجر فيها أنابيب الصرف، وفي مستشفيات بلا كهرباء أو أوكسجين، وفي أبنية تسقط كأوراق الخريف.
لكن هذا الإهمال المنظم ليس قلة كفاءة أو سوء إدارة. إنه سلاح سياسي مصمم لإخضاع الناس، وإغناء الفاسدين، وإدامة النظام. أنقاض طرابلس هي شاهدة صامتة على هذه الجريمة.
التحدي الأكبر اليوم هو كيف يمكن إعادة بناء الدولة من بين الأنقاض المادية والسياسية والأخلاقية. هذا يتطلب مواجهةً شجاعةً مع الذات، ومراجعةً جذريةً لمرحلة ما بعد الحرب التي أسست لهذا النظام الفاسد، وقطع حبال الولاء الخارجية التي تخنق الاستقلال الحقيقي. الخروج من الكارثة لن يكون إلا بخيارات سياسية شجاعة وجريئة توضع مصلحة الإنسان اللبناني فوق كل اعتبار. فلبنان أغلى من أن يكون وقوداً لمشاريع الغير، وشعبه أجدر من أن يعيش تحت تهديد الإهمال القاتل.


