بعد عقود من القمع الممنهج، انطلقت الثورة السورية لتحطيم جدران الخوف وبناء وطنٍ يتّسع للجميع، لكنها سرعان ما وجدت نفسها في مواجهة "ثورة مضادّة" من نوعٍ فريد. لم تكن هذه المرّة عبر فوهات المدافع فحسب، بل عبر "مختبرات فكرية" ومنصّات إعلامية اشتغلت بدقّة على تفخيخ الوعي السوري. ومن الملاحظ أن أخطر ما واجهته الثورة هو عملية "التوريط العمدي" في صراعات بينيّة لم تكن وليدة الصدفة، بل كانت ثمرة "هندسة اجتماعية" خبيثة تهدف إلى استبدال الهوية الوطنية الجامعة بهويات "ما قبل الدولة". وبينما كان السوريون يسطرون ملاحم التحرّر بدمائهم، كانت غرف "الهندسة الاجتماعية" تُعدّ فخاخًا من نوعٍ آخر. واليوم يبرز التساؤل الحارق: هل تحوّلت منصّاتنا الإعلامية ونخبنا "المستوردة" إلى معاول لهدم ما تبقّى من النسيج الوطني؟ في هذا المقال سأشرّح كيف تم حقن جسد الثورة بسموم الصراع الطبقي والمناطقي، وأكشف الدور المشبوه لتيارات "النخبة المخملية" التي تسعى لتحويل حلم الدولة الموحّدة إلى حرب أهلية باردة تخدم أجندات المشغّلين.
لقد تم إحياء الصراع الطبقي وتغذيته بشكل مدروس لضرب الحاضنة الشعبية ببعضها، وتحويل الثورة من مشروع تحرّر وطني إلى ساحة لتصفية الحسابات الطبقية والمناطقية والعشائرية. وفي قلب هذا المشهد برزت أدوار مريبة لنخب "مستوردة" ومؤسسات ممولة خارجيًا، وعلى رأسها تلك المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، والتي عملت عبر أذرعها الإعلامية و"صبيانها" المتغلغلين في مفاصل المعارضة على إعادة تعريف السوريين لأنفسهم، لا كمواطنين أحرار بل ككتل طائفية وعرقية متناحرة. هذا التفتيت الممنهج لم يكن مجرد خطأ في التقدير، بل يبدو كأنه مخطط مدروس لإغراق البلاد في "سيولة هوياتية" تمنع قيام أي كيان سوري مستقر بعد سقوط نظام بشار الأسد، وتجعل من "الفوضى المنظمة" هي البديل الدائم.
لقد بدأت بوادر التفتيت من خلال زرع شرخ طبقي حاد داخل أجسام الثورة. فبينما كان المقاتلون والناشطون على الأرض يبذلون الدماء، كانت هناك "نخبة مخملية" تُصنع في الخارج، تزدري الحاضنة الشعبية وتَصِمها بـ"الراديكالية" أو "الغوغائية". هذا الصراع الطبقي لم يكن عفويًا، بل كان مدروسًا لإحداث قطيعة بين الجماهير وقياداتها، مما مهّد الطريق لظهور "الشللية" و"العائلية" كبديل عن التنظيم الوطني الجامع. ومن خلال هذا كله، لا يمكن قراءة المشهد الإعلامي والسياسي الحالي بمعزل عن الدور الذي لعبته المؤسسات التابعة للإخوان المسلمين. فمن خلال التغلغل في المفاصل الإعلامية السورية، استطاع "صبيان" هذا التيار تمرير خطاب يركز بشكل مفرط على "الهويات الفرعية" من خلال ثلاثة محاور: أولها تغذية القومية والإثنية عبر تضخيم النزعات الانفصالية أو الصدامات العرقية تحت مسميات حقوقية. وثانيها إحياء المناطقية والعشائرية، فبدلًا من بناء مؤسسات دولة حديثة تم دعم مراكز قوى محلية، فصائلية وشللية، لضمان بقاء سوريا في حالة "سيولة" دائمة. أما ثالثها فقد ركّزوا فيه على السيطرة على الوعي من خلال هؤلاء الذين انتشروا في المؤسسات الإعلامية وعملوا كـ"حرّاس بوابة" يرفعون من شأن من يتبنّى أجندتهم ويقصون الكفاءات الوطنية التي تنادي بـ "السورنة" الصرفة.
وإذا بحثنا عن المستفيد الأول من تحويل سوريا إلى "كانتونات" عائلية وعشائرية وطائفية، نجد أولاً القوى الإقليمية والمشغّلين الدوليين. وبوضوحٍ تام، الهدف ليس بناء ديمقراطية، بل إيصال السوريين إلى قناعة بأن "التعايش مستحيل". وهنا يتبادر إلى الأذهان سؤال مشروع: إلى ماذا يرمي هذا المخطط؟ ولعل أهم ما يرمي إليه هذا المخطط، من وجهة نظري، ثلاثة أمور. أولها إشغال السوريين ببعضهم لضمان عدم قيام دولة قوية تطالب بسيادتها وثرواتها. وثانيها السعي إلى خلق حرب أهلية مستدامة من خلال خلق صراع لا ينتهي بين المكوّنات، مما يجعل التدخل الخارجي "ضرورة" لحماية الأقليات أو ضبط المكوّنات. وثالث أهداف المخطط هو تدمير النسيج الاجتماعي، وما عجز عنه نظام الأسد الفارّ بالدبابات يحاول هؤلاء المنظّرون تحقيقه بـ "السموم الفكرية" والفرز الطائفي والمناطقي.
إنَّ مواجهة هذا التفتيت تتطلّب انتقالة جذرية من خلال فك الارتباط بالمشغّل، وكشف التمويل المشروط الذي يفرض أجندات تثير الفتنة، والعمل على ترسيخ خطاب المواطنة واستبدال لغة "المكوّنات" بلغة "الحقوق الفردية المتساوية" لكل سوري. والأمر الآخر هو تطهير الإعلام من خلال إبعاد "المسترزقين" وتمكين الكفاءات الوطنية التي تضع مصلحة سوريا فوق مصلحة "المنظّر".
ختامًا، إنَّ المشهد الذي نراه اليوم من استشراء للشللية في المؤسسات الإعلامية وهيمنة النزعات العشائرية والفصائلية هو النتيجة الطبيعية لعملية "تسميم الآبار" التي مارستها نخب الفنادق لسنوات. هؤلاء الذين نصبوا أنفسهم أوصياء على وعي السوريين، والذين يقتاتون على إثارة النعرات "الطبقية" و"الطائفية" و"العرقية" و"المناطقية" و"الإثنية"، ولا يريدون لسوريا أن تتعافى، بل يسعون لإيصال الشعب إلى حالة من "الإنهاك الوجودي" حيث تصبح الحرب الأهلية الشاملة قدرًا لا مفر منه. إنَّ المستفيد الوحيد من هذا التفتيت هو "المشغّل" الذي يريد سوريا وطنًا ممزقًا بلا سيادة وبلا هوية وطنية صلبة تعيق تمرير المخططات الدولية. لذا فإن المعركة الحقيقية اليوم ليست فقط سياسية أو عسكرية، بل هي معركة وعي بامتياز.
إنَّ استعادة سوريا تبدأ بلفظ هذه النخب "المسترزقة" وكشف أدواتها التي تغلغلت في أجساد الثورة ومؤسسات الدولة الوليدة، والعودة إلى منطق "المواطنة السورية الصرفة". وعلى السوريين أن يدركوا أن الذين يزرعون الفتنة بين حوران والشمال، أو بين الدمشقيين والإدلبيين، أو بين العشائر، أو بين العرب والكرد، أو بين الريف والمدينة، هم مجرد أدوات في مشروع تدميري يهدف لإنهاء ما تبقّى من الكيان السوري.
إنَّ الطريق إلى الخلاص يمر عبر تحطيم هذه "الأصنام النخبوية" وإعادة بناء الهوية السورية على أُسس وطنية صلبة تقطع الطريق على كل من يريد تحويل تضحيات السوريين إلى وقود لحرب أهلية لا تنتهي.


