: آخر تحديث
هاشتاك الناس

الإعلام العراقي: محترف في التحريض

4
4
5

كان من المفترض أن يكون الإعلام بمثابة شعلة تُنير إدراك المواطنين، لكنه في نسخته العراقية تحوّل إلى مولّد يصرخ، يوزّع كهرباء طائفية في بثٍّ مباشر من دون كلفة. لم يعد الإعلام أداة وعي، بل غدا "عرضًا مسرحيًا" يتكرر كل ليلة: شخص غاضب، وآخر أشدّ انزعاجًا، بينما يضحك المقدّم لأن "نسبة المشاهدة ارتفعت"، ومعها ارتفع الراتب الشهري.

خذ أي مثال من البرامج الفضائية وستدرك حجم الكارثة: نقاش يتبدّل لأن أحد الضيوف يُدعى "يزيد"! فيطلب منه آخر تغيير اسمه "لأسباب دينية"! وكأننا أمام لجنة دينية وليس مناقشة سياسية. وفي قناة أخرى، يتحول حديث عن "اللهجة العراقية" إلى نزاع لغوي: ضيف من منطقة عراقية يستخدم كلمة "عجل"، فيرد عليه ضيف آخر بقوله: "هذا تعبير مهين يذكرنا بالماضي".

أما "الخبراء الاستراتيجيون"، فهم مخلوقات غريبة خرجت من رحم الإعلام العراقي بعد عام 2003. رجال يظهرون بشكل يومي على جميع الشاشات، يقدمون تحليلات مكررة ويزأرون أمام الكاميرا وكأنهم يستعدون لتحرير فلسطين عبر المايكروفون.

يتحدث أحدهم بثقة توحي بأنه قد وُلِدَ حكمته، بينما آخر يظهر ماضيه كأنه شارة بقاء أبدية، لكن المسار الذي يسلكه الجميع ينتهي بنفس الطلب، بالرغم من اختلاف العبارات: الوطن أولًا في الخطاب، والتمويل في النهاية.

تُرفع شعارات براقة باسم الرسالة، ثم تُطوى بسرعة عندما يجري الحديث حول الأرقام. ومع فوضى الوضع، وُلد جيل جديد من المضيفين الحواريين، الذين جاءوا بالصدفة والتمويل، وليس لديهم صلة بالصحافة سوى أنها بطاقة دخول للمول. أصبحوا "قادة رأي" بالرغم من أنهم لا يدركون فارقًا بين المعلومة والرأي.

مجموعة تبيع المواقف في حلبة السياسة مقابل الدولار، تتواجد ليلًا كفرسان للحرية، وفي الصباح كموظفين لمموّل جديد. يفترض بعضهم بأسلوب واعظ، بينما يقلد آخرون لهجة السياسي أكثر منه. واحد يعتقد أن رفع حاجبه الأيسر يضفي "هيبة إعلامية"، وآخر يتفاخر بأنه "يستدرج الضيوف بأسئلته البارزة"، بينما في الحقيقة ليس لديه سوى لسان طويل ومعلومات قصيرة.

أصبح الإعلام لدينا ساحة لزرع الغطرسة، وسوقًا للنفاق وتجارة المواقف. قناة تتفوق على أخرى في إشعال الفتن، ثم ترفع شعار "المصالحة الوطنية"، تمامًا كما يرفع الفاسد شعار "النزاهة" قبل أن يختلس الكاميرا ذاتها. تحوّل الإعلام من سلطة رابعة إلى مكبر صوت خامس في حفلة السلطة.

المفترض أن يسأل الإعلامي بحثًا عن الحقيقة، أصبح يثير النعرات الطائفية والقومية، بينما المتابع يبحث عن معلومة، لكنه لا يحصل إلا على مشاحنات وتهديدات، وضيف يهمّ بالخروج من الاستوديو كما يخرج مصارع مهزوم من الحلبة.

الإعلام العراقي اليوم ليس سوى منتج للكراهية، محترف في التحريض وخلط الناس بنفس أسلوب الخبز، يصهرهم تحت نيران اللهجات والمذاهب. إعلام "الضجيج الوطني" لا يضيء الحقائق، بل يحرقها كل ليلة على الهواء!

وفي النهاية، لم يتبق من الإعلام سوى رقصة على إيقاعات السياسة. مذيع يرقص بالكلمات شبيهًا بببغاء في قفص مطلي بالذهب، وضيف يتلو بيانات حزبه بوصفها تحليلًا، ومعلّق يروج "الوعي الوطني" في باقات دعاية مبتذلة.

تراقب هيئة الإعلام كافة الأحداث بصمت، ليس لكون المشهد خاليًا من الانتهاكات، بل لأن السكوت أصبح جزءًا من أدائهم. فعندما تتداخل الاستقلالية مع المصالح السياسية، ويُدار النظام وفق التوازنات بدلاً من المعايير الموضوعية، يصبح تجاهل الفوضى أسهل من مواجهتها. الصمت هنا لا يعني الحياد، بل هو هروب من تحمّل الأعباء وتأجيل للمسؤولية، وترك المجال الإعلامي ليغمره الصراع بدلاً من أن تضبطه القواعد المهنية.

هذه ليست قراءة في الإعلام بالمطلق، ولا إدانة شاملة لكل من يعمل فيه، بل محاولة لتفكيك ظاهرة باتت تتكرّس بوصفها نمطًا سائدًا في المشهد الإعلامي العراقي. ففي مقابل القليل من الموضوعية، تتقدّم هندسة واعية للفوضى الخلّاقة، تقوم على رفع منسوب الكراهية والصراخ، وتسويق الانفعال بوصفه محتوى.

في هذا السياق، تحوّل إعلامنا إلى منصَّة تتنوع فيها الوجوه لكن المحتوى ثابت؛ حيث تتعالى أصوات الطوائف ويتواجد أبطال من الورق، بينما تُستبعد الحقيقة من الصورة كل ليلة. إنه مكان مزدحم بالشعارات ومجزرة للعقول، يبيعنا الأكاذيب تحت شعار "تابعونا بعد الفاصل"، ويخدعنا بأننا نتمتع بحرية التعبير، في حين أن الحقيقة التي نعيشها هي حرية التلوث والتخريب.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.