: آخر تحديث
مبدعون في الذاكرة (21)

شوقي كريم حسن: كتابةٌ من ضفاف الوجع إلى خرائط الإنسان

1
1
0


من ضفاف الألم إلى خرائط الوجود، يأتي شوقي كريم حسن بوصفه أحد الأصوات البارزة في الأدب العراقي، في عالمٍ يلتقي فيه الألم بالذاكرة، ويتجلّى فيه الفارق بين الخيال والواقع القاسي. إنّه صوتٌ كتب من القاع الاجتماعي لا من القمة.

وُلد عام 1956 في مدينة الناصرية على ضفاف نهر الغرّاف، أحد أقدم الأنهار التي تحتفظ بها الذاكرة السومرية. ومنذ نعومة أظفاره، أدرك أن الإصغاء نوعٌ من الكتابة، وأن الحكايات الشعبية ليست زينة لغوية، بل تعبيرًا عن جوهر الوعي الجمعي.

بدأ مسيرته المسرحية لا بوصفها عروضًا فنية فحسب، بل كثقافة حياة مكثّفة. درس التمثيل والإخراج، وكتب وأخرج أكثر من أربعين مسرحية، معبّرًا بالجسد عمّا تعجز الكلمات عن قوله. غير أن شغفه بالقصة القصيرة قاده إلى نشر أول أعماله الأدبية عام 1971، فاتحًا مسارًا طويلًا في فن السرد، لم يكن هروبًا من المسرح، بل امتدادًا له بلغة مغايرة.

في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، أصبح أحد أكثر الكتّاب نشاطًا، إذ لم يكن يكتب من وفرة، بل من قلق دائم. تنقّل بين القصة والرواية والمسرح والدراما الإذاعية والتلفزيونية، وكأن الزمن لم يمنحه فرصة للراحة.

أعدّ أكثر من 250 مسلسلًا إذاعيًا، فيما أثار عدد من أعماله التلفزيونية جدلًا واسعًا لقربها من الحقيقة. وتوزّعت مؤلفاته على أجناس أدبية متعدّدة، عاكسةً في كل مرحلة أسلوبه الخاص وتحولاته الفكرية.

بدأت رحلته مع القصة القصيرة، التي ظلّت رفيقته الأقرب، إذ نشر مجموعته الأولى "عندما يسقط الوشم عن وجه أمي"، معلنًا منذ البداية نبرته الإنسانية الواضحة. وتلتها مجموعات أخرى مثل "رباعيات العاشق" و"ليلة المرقد" و"قطار أحمر الشفاه" و"أصوات عالية"، مؤكدةً انحيازه للصوت الجمعي أكثر من التركيز على الفرد المعزول.

ومع تراكم الخبرة، انتقل إلى الرواية، فوسّع أفق السرد في أعمال مثل "مدار اليم" و"فضاء القطرس" و"نهر الرمان"، حيث اشتغل على ثيمات الموت والذاكرة، إلى جانب روايات ذات عناوين محلية مثل "شروكية" و"خوشية" و"هباشون" و"هتلية" و"ثغيب"، فضلًا عن "قنزة وونزة" و"لبابة السر"، التي تناولت قضايا الهوية والهامش بلغة تجمع بين الواقعية والرمزية، من دون انفصال عن الجذور الاجتماعية.

في المسرح، كتب نصوصًا تُعلي من شأن السؤال الفكري والأخلاقي أكثر من الترفيه، مثل "ما لم يره الغريب جلجامش" و"الموازن" و"الوثوب إلى القلب" و"غبار الموسيقى" و"في دويّ الفراغ" و"ظمأ المفازة"، حيث تتقاطع الأسطورة مع قلق الزمن المعاصر، ليغدو المسرح فضاءً للتأمل لا مجرد عرض.

أما في مجال الدراما، فكان حضوره مؤثرًا في التلفزيون والإذاعة، من خلال أعمال مثل "أحلام السنين" و"الحب والبرهان" و"اللهيب" و"الحوت والجدار" و"دخان الورد" و"المساعيد" و"مدينة الموسيقى"، إلى جانب أكثر من مئة وخمسين مسلسلًا إذاعيًا، ما جعله حاضرًا في البيوت لا في الكتب فقط، إيمانًا منه بأن القصة الصادقة قادرة على الوصول عبر كل الوسائط.

تبدو مؤلفاته شبكةً متماسكة لا مجرد سجل عناوين، إذ يمثل كل عمل صدى لسؤال إنساني عميق. وهو، وإن تنقّل بين الأجناس الأدبية، ظلّ وفيًا للناس وللألم العراقي، كاتبًا نصوصه بوصفها شهادات لا زخارف.

يتميّز أسلوبه بالبساطة والوضوح، بلغة دقيقة ومباشرة تحمل في عمقها حسًّا شعريًا صادقًا. لا يلجأ إلى الرمز هروبًا من الواقع، بل يواجهه مباشرة. شخصياته تنبثق من قاع المجتمع: من الشوارع والقرى والمقاهي، ومن تأملات الأمهات، ومن رجلٍ حُرم من الفرص ليكون بطلًا.

سياسيًا، لا يكتفي بعرض الوقائع، بل يذهب إلى نقد المواقف، حيث تأتي أسئلته بوصفها مساءلات أخلاقية لعلاقة السلطة بالضمير.

يكتب من داخل التجربة، فتغدو نصوصه مشبعةً بغضبٍ إنساني، بعيدًا عن التحريض الأيديولوجي. فالكتابة لديه ليست فرارًا من الواقع، بل ضرورة تشبه التنفّس؛ "الكتابة ليست ترفًا، بل صرخة بوجه الخذلان". هكذا تتكثّف فلسفته الإبداعية، بوصفها موقفًا أخلاقيًا قبل أن تكون فعلًا أدبيًا.

في نصوصه، لا يكون المكان خلفية محايدة، بل كائنًا حيًا داخل السرد. مدن الجنوب وبغداد وأحياؤها الشعبية تتجلى بوصفها ذاكرة جمعية وحمولة نفسية وثقافية. وحتى حين يكتب عن أمكنة خارج العراق، تبقى الروح عراقية مثقلة بتاريخها وآلامها، إذ يشتغل على جروح المكان لا على مظهره.

ويُعدّ شوقي من الكتّاب الذين لم تُغيّرهم الشهرة، إذ لم يبنِ حضوره على الاستعراض، بل على الاستمرارية والأثر. لم يسعَ إلى صورة الكاتب النجم، بل إلى معنى الكتابة نفسها، مؤمنًا بأن قيمة الكاتب تُقاس بما يتركه في قلوب الناس لا بعدد ظهوره. أما الجوائز، فليست لديه سوى إشارات عابرة لا غايات.

في العمق، تحمل تجربته رسالة غير معلنة للأجيال القادمة: لا تكتبوا من أجل النجاة الفردية، بل لحفظ المعنى. لا تجعلوا الأدب مهنة محايدة أو خطابًا مطيعًا. اكتبوا وأنتم تدركون أن الكلمة قد لا تغيّر العالم، لكنها قادرة على منعه من الانهيار في صمت.

وهكذا، لا يمثّل شوقي كريم حسن مجرد شاهد على عصره، بل جرحًا مفتوحًا نابضًا في جسد الذاكرة. يكتب بحثًا عن المعنى لا عن الطمأنينة، فاتحًا الأسئلة بدل تقديم الإجابات، مجسّدًا تقليدًا عراقيًا يرى الأدب فعل شهادة، والحكاية مقاومة للنسيان.

وعبر مسيرته الطويلة، لا يُقرأ بوصفه كاتبًا شكّل منجزًا فحسب، بل بوصفه تجربة إنسانية كُتبت على مهل الألم، وفي اشتباك دائم مع الواقع. تجربة آمنت بأن الكلمة لا تُختبر في أوقات السكينة، بل في لحظات الانكسار الكبرى، حين يغدو الصمت خيانة، ويصبح الحياد تواطؤًا.

كتب من قلب العاصفة لا من شرفاتها، فجاءت نصوصه شاهدة على زمنٍ لم يكن رحيمًا، ومخلصة للناس الذين لم يجدوا من يتكلم بلسانهم. وهكذا يظل أثره مفتوحًا في ذاكرة الأدب العراقي، لا بوصفه أرشيف نصوص، بل ندبةً صادقة تؤكد أن الأدب، حين يكون حقيقيًا، لا يجمّل العالم، بل يمنحه معنى البقاء.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.