لي مع الصين حكاية لم تبدأ في قاعات السياسة ولا على موائد الاقتصاد، بل بدأت في الذهن قبل أن تصبح واقعاً ملموساً. كنت أراقب هذا البلد من بعيد، كإعلامي عاش زمن التحولات الكبرى، فرأيت فيه تجربة مختلفة: أمة تعرف ماذا تريد، وتمضي إليه بهدوء لا يخلو من الحزم. لم تكن الصين بالنسبة إليّ خبراً عابراً في نشرات الاقتصاد، بل سؤالاً مستمراً: كيف استطاعت حضارة بهذا العمق أن تعيد تشكيل نفسها دون أن تفقد روحها؟
الانطباع الأول الذي تشكّل لديّ لم يكن سياسياً بقدر ما كان فلسفياً. الصين لا تتحدث كثيراً عن القوة، لكنها تمارسها بطريقة ذكية. لا ترفع الشعارات، لكنها تبني الوقائع. هذه المفارقة هي ما جعلني أرى فيها حليفاً واضحاً، لا بمعنى الاصطفاف التقليدي، بل بمعنى الشراكة القائمة على الفهم المتبادل للمصالح والاحترام المتبادل للخصوصيات.
ثم جاءت التجربة الشخصية لتضيف بعداً إنسانياً إلى هذه القراءة. تعرّفت إلى سيدة الأعمال الصينية (هونك لي) التي أستطيع أن أصفها، دون مبالغة، بأنها نموذج للحكمة العملية. ليست فقط شريكة في مشاريع واستثمارات، بل شريكة رؤية. أفكارها استشرافية، وأهدافها تُبنى على قراءة طويلة المدى، لا على ردود فعل لحظية. في كثير من الحوارات بيننا كنت أشعر أنني أمام عقل يفكّر بالسنوات والعقود، لا بالأيام والأسابيع.
هذه السيدة، بما تمثله من عقلية صينية حديثة، أعادت تشكيل فهمي للتحالف مع الصين. لم يعد الأمر مجرد أرقام واستثمارات أو اتفاقيات تعاون، بل أصبح تجربة إنسانية مباشرة مع ثقافة ترى العمل قيمة أخلاقية، وترى الاستقرار شرطاً للنمو، وترى المستقبل مشروعاً يجب التخطيط له بدقة.
من زاوية سياسية، أرى أن الصين تمارس نوعاً مختلفاً من الحضور الدولي. هي لا تدخل المنطقة بخطاب أيديولوجي، ولا تحاول إعادة تشكيل المجتمعات على صورتها. تقدّم التكنولوجيا والتمويل والخبرة، وتترك لكل دولة حق إدارة شؤونها الداخلية. هذا الأسلوب قد يبدو للبعض براغماتياً بحتاً، لكنه في الواقع يعكس فلسفة أعمق: الاستقرار أولاً، لأن الفوضى لا تخدم أحداً.
وفي منطقتنا العربية، التي أنهكتها الصراعات والاصطفافات الحادة، يصبح هذا النوع من الشراكة مغرياً. نحن بحاجة إلى من يبني معنا لا من يطلب منا الاصطفاف خلفه، بحاجة إلى التكنولوجيا بقدر حاجتنا إلى القرار السيادي. وهنا تحديداً أجد أن العلاقة مع الصين يمكن أن تكون فرصة إذا أُديرت بوعي واستقلالية.
لكنني، بحكم تجربتي الطويلة في الإعلام والسياسة، لا أؤمن بالتحالفات المطلقة. كل علاقة دولية تخضع لمعادلة مصالح، والصين ليست استثناء. هي تبحث عن الطاقة والأسواق والنفوذ، كما تبحث أي قوة صاعدة. الفارق أنها تفعل ذلك بأسلوب أقل صخباً وأكثر اعتماداً على الاقتصاد بدلاً من القوة العسكرية. وهذا، في تقديري، يجعل العلاقة معها أكثر قابلية للتوازن.
شخصياً، أرى أن أجمل ما في التجربة الصينية هو قدرتها على الجمع بين الأصالة والتحديث. بلد يحمل آلاف السنين من التاريخ، لكنه يتحدث بلغة المستقبل. هذه الثنائية تذكّرني بحاجتنا نحن العرب إلى معادلة مشابهة: أن نحافظ على هويتنا دون أن نخاف من التقدم، وأن ننفتح على العالم دون أن نفقد أنفسنا فيه.
وجود شريكة صينية بهذا المستوى من الوعي الاستراتيجي جعل هذه الأفكار أكثر وضوحاً لديّ. في نقاشاتنا لا نتحدث فقط عن مشاريع، بل عن خرائط زمنية، عن تحولات الاقتصاد العالمي، عن موقع الخليج في المعادلة الجديدة، وعن كيف يمكن للتعاون العربي الصيني أن يتحول من علاقة تجارية إلى شراكة حضارية.
وأعترف أنني أحياناً أشعر بأن ما بيني وبين الصين ليس مجرد تعاون مهني، بل فضول فكري مستمر. كل لقاء، كل مشروع، كل حوار يفتح زاوية جديدة للفهم. ربما لأن الصين، مثل التاريخ، لا تُقرأ من صفحة واحدة، بل من طبقات متراكمة تحتاج إلى صبر وتأمل.
في النهاية، أقول بثقة إن الصين شريك واضح في زمن يكثر فيه الغموض. وضوحها يأتي من ثبات توجهها، ومن قدرتها على التفكير طويل المدى، ومن احترامها لخصوصيات شركائها.
أما أنا، وما بيني وبين الصين، فهو حوار مفتوح لم يكتمل بعد. حوار بين تجربتي الإعلامية والسياسية والاقتصادية من جهة، وتجربة حضارية مختلفة من جهة أخرى. وبين هاتين التجربتين تقف شراكة إنسانية مع سيدة أعمال حكيمة، جعلت هذا الحوار أكثر عمقاً وأكثر واقعية وربما أكثر مستقبلاً.

