: آخر تحديث

الدولة المدنية وغاز الميثان

1
1
1

نلتُ قسطاً من تعليم راقٍ في مراحله الأولى، كانت مدرستي الابتدائية في قريتنا الفقيرة بلا ماء ولا كهرباء، ولا زلتُ أذكر فناءها النظيف ومدرّسيها المتأنّقين وأحذيتهم اللامعة. ومدرستي الإعدادية، وكانت في الريف أيضاً، كان بها قاعة أنشطة وملعب وأدوات رياضية. أمّا مدرستي الثانوية فكان بها مسرح ومعمل علوم وغرفة موسيقى ونادٍ للأدب، وكانت ملامح الدولة المدنية ناضحة وواضحة للعيان، لا دروشة سياسية ولا دروشة اجتماعية ولا دروشة تعليمية ولا ثقافية. طبعاً نحدّثكم من الستينيَّات.

أمّا عن علاقة الدولة المدنية بغاز الميثان وغازات أخرى، فهو ما سنتطرّق إليه في السطور التالية. فذات صباح أُذيع خبر تكرار اشتعال النيران في منازل إحدى القرى، وكلما تم إخمادها اشتعلت من جديد في بيوت أخرى. وبدلاً من أن ترسل الدولة لجنة علمية من باحثين متخصصين تفحص الأسباب وتعلن النتائج ومن ثم يبدأ العلاج، أرسلت قوافل من الأزهر والأوقاف، بعد أن شخّص ولخّص وقرّر الرعاع أن أسباب الكارثة تكمن في وجود فريق من الجن يشن حرباً شعواء على أهل القرية لأسباب لم يُعلن عنها. وبعد أن تجمهر الغوغاء احتجاجاً على تقصير الدولة في الدفاع عنهم ضد عصابات الجن، جاء محافظ الإقليم على رأس فريق من "الفقهاء"، وعلى الفور شرعوا في قراءة سور من القرآن الكريم مع بعض الأدعية المتواترة لطرد هذا الجن المؤذي الذي يشعل النار في بيوت الناس عامداً. لكن كل هذه الجهود "المباركة" لم تجد نفعاً وذهبت هباء، وعادت النار تشتعل في نفس الأماكن وأماكن أخرى بمعدل أشد ضراوة.

نعود لمقدمة الطرح وعلاقتها بالموضوع، فقد قصدت التعريف بأنني درست، ككل جيلي، تفاصيل وخصائص وأجرينا أيضاً تجارب عملية على غاز الميثان في فرع الكيمياء العضوية في معمل العلوم بمدرستي الثانوية. وأعتقد أنه لا يزال يُدرّس في كل المدارس الثانوية حتى اليوم، وأنَّ خصائصه معروفة حتى لكثير من العامة كغاز سريع الاشتعال، ويمكن أن يشتعل ذاتياً بعوامل مساعدة بسيطة كرداءة التهوية وتراكم المخلفات، وأنه ناتج تخمّر وتفاعل المخلفات العضوية النباتية والحيوانية. وبما أن هذه البيوت عشوائية تصرّف مخلفاتها السائلة والصلبة في سراديب تُحفر أسفل البيوت، بالطبع بالإضافة إلى تخزين المخلفات الحيوانية على أسطح البيوت وباحات المنازل تمهيداً لنقلها إلى الزراعات لزيادة خصوبتها، أو تشكيلها على هيئة أقراص مستديرة تُجفّف بغرض استعمالها كوقود للطهي وخلافه، كل هذه العوامل المحتملة لاشتعال الحرائق لم يتطرّق إليها أي ذهن لطالب ثانوي يعمل عقله ولو بربع كفاءة. لكن اتجه الجميع إلى مؤشر بوصلة الغيبيات أو الاحتمال المريح غير المكلِف، الذي يُعفي الجميع من أي مسؤولية أو حساب، ومن ثم يقطع العلاقة بين الدولة وغاز الميثان وأي غازات أخرى ممكن أن تسبب قلاقل مستقبلاً. أمّا العلم والبحث عن حلول فتلك وسائل مكلِفة وقتاً وجهداً ومالاً، ويمكن تعويضها ببعض الطقوس، بالطبع مع كل الاحترام لأي شعائر وطقوس تُمارس في سياقها الوجداني والعقيدي. أمّا المجتمعات التي اعتمدت إحلال هذه الممارسات كبديل للبحث العلمي وإعمال العقل، فأحوالها في منطقتنا تُغني عن أي شرح أو تحليل.

 

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.