شهدت العاصمة الأميركية، واشنطن، حدثاً إعلامياً بارزاً سلّط الضوء على السياسات القمعية للاستبداد الديني الحاكم في إيران. فقد عقد مكتب تمثيل المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية مؤتمراً صحفياً كشف خلاله، أمام حشد من المراسلين والباحثين، عن مجموعة من الوثائق المصنّفة "سرية" وتقارير داخلية تابعة للنظام، تثبت حقيقة قاطعة: إن مخطّط "القمع الشامل" لانتفاضة كانون الثاني (يناير) 2026 لم يكن وليد اللحظة، بل كان برنامجاً منظّماً أُعدّ مسبقاً بأوامر مباشرة من علي خامنئي. وتكشف هذه الوثائق كيف جُنّدت أجهزة القمع كافة، من الحرس الثوري إلى الميليشيات الأجنبية، لحماية أركان النظام.
هيكلية القمع: من بيت المرشد إلى الميدان
استعرض علي رضا جعفر زاده، نائب ممثلية المجلس في الولايات المتحدة، وثائق تثبت تسلسل قيادة عمليات القمع. وبموجب هذه الوثائق، أصدر "المجلس الأعلى للأمن القومي" في آذار (مارس) 2021 وثيقة سرية وافق عليها خامنئي خطياً، تصنّف مستويات التهديد إلى أربعة مراحل، تبدأ من "الوضع الشرطي" وتنتهي بـ "الوضع الأمني المسلّح". رسمت هذه الاستراتيجية خارطة طريق واضحة، حيث تنتقل مسؤولية السيطرة بالكامل إلى الحرس الثوري فور دخول البلاد في "الحالة الأمنية"، لتصبح وزارة المخابرات وقوى الأمن تحت قيادته المباشرة. ومع اندلاع انتفاضة كانون الأول (ديسمبر) 2025، سارع النظام لنقل القيادة الميدانية إلى الحرس الثوري، مما مثّل إشارة بدأت معها عمليات إطلاق الرصاص الحي واستخدام الأسلحة الثقيلة ضد المتظاهرين العزّل.
هواجس الانهيار: تسجيلات تكشف ذعر النظام
تضمّن المؤتمر عرضاً لتسجيل صوتي لاجتماع "مجلس أمن محافظة طهران" يعود لتاريخ 28 نيسان (أبريل) 2025. وخلال هذا الاجتماع، وبدلاً من معالجة الأزمات المعيشية، انصبّ اهتمام المسؤولين الأمنيين والقضائيين على "الاحتقان الاجتماعي" و"خطر انفجار الشارع". أقرّ المشاركون بأن كافة التقديرات الاستخباراتية كانت تتوقّع اندلاع "أزمة كبرى" بنهاية العام. يثبت هذا التسجيل أن انتفاضة كانون الثاني (يناير) 2026 لم تكن مفاجئة، بل كان النظام يترقّبها بآلة قتل جاهزة لمواجهة الغضب الشعبي المتراكم.
الاستعانة بالخارج ضد الشعب الإيراني
من أكثر الجوانب إثارة للاستياء في هذه الوثائق، هو لجوء النظام إلى الميليشيات الموالية له في الخارج لقمع الإيرانيين. فقد أشارت التقارير إلى استقدام عناصر من "الحشد الشعبي" العراقي، و"فاطميون"، و"حزب الله"، والحوثيين، ونشرهم في مدن حدودية كالأهواز وسنندج وكرمانشاه، بهدف تنفيذ عمليات قنص وترهيب للمتظاهرين، مما يعكس استعداد النظام لتحويل البلاد إلى ساحة حرب في سبيل الحفاظ على السلطة.
جريمة منظّمة وصمود "شباب الانتفاضة"
تؤكّد التقارير الميدانية سقوط آلاف القتلى واعتقال أكثر من 50 ألف شخص خلال أيام معدودة من بدء "الوضع الأمني المسلّح" في 8 كانون الثاني (يناير) 2026. وعلى بالرغم من هذه القسوة المفرطة، برز الدور القيادي لـ "شباب الانتفاضة" المرتبطين بالمقاومة، والذين نجحوا في تنظيم صفوف المحتجّين وكسر طوق الترهيب الأمني.
آفاق التغيير والبديل الديمقراطي
أكّدت السيدة سونا صمصامي، المتحدّثة باسم المؤتمر، أن هذه الأحداث تمثّل منعطفاً تاريخياً نحو سقوط النظام. وطرح المجلس الوطني للمقاومة "خارطة طريق" للمرحلة الانتقالية تشمل تشكيل حكومة مؤقتة وإجراء انتخابات حرة لصياغة دستور جديد يقوم على فصل الدين عن الدولة، والمساواة، وإلغاء عقوبة الإعدام.
لقد قدّم مؤتمر واشنطن مشهداً لواقعين: نظام متآكل يعتمد على المرتزقة والقمع للبقاء، ومجتمع نابض يسير بخطى ثابتة، بقيادة مقاومة منظّمة، نحو تأسيس جمهورية ديمقراطية تنهي عقوداً من الاستبداد.


