تشكّل الحروب والصراعات المسلحة زلزالاً مدمّراً لا يتوقّف أثره عند تدمير الحجر، بل يمتدّ لتمزيق "النسيج المعنوي" الذي يربط المجتمع، وهو الهوية الوطنية. في الدول التي شهدت تدخلات خارجية وتعدّداً في الأجندات والمشاريع المتصارعة، تحوّل مفهوم "الوطن الجامع" إلى ساحة لتنافس "الهويات الصغرى"، مما جعل إعادة اللحمة الوطنية تحدّياً يتجاوز مجرّد توقيع اتفاقيات سياسية هشّة، بل يتطلّب "هندسة سيادية" شاملة.
أولاً: أزمة الهوية في ظل صراع الأجندات
عندما تسقط الدولة في فخّ النزاع، تندفع قوى دولية وإقليمية بمشاريع متباينة، مما يؤدّي إلى تفتيت الولاء ليصبح مرتبطاً بالجهة التي توفّر الأمن أو المعيشة، وليس بالدولة ككيان. هذا "الاحتراق الإدراكي" يشوّه صورة الوطن في ذهنية المواطن، حيث يرى في الحدود فواصل، وفي المؤسسات أدوات إقصاء، مما يولّد شرخاً في الانتماء لصالح أجندات عابرة للحدود.
ثانياً: المشروع الوطني الجامع من الشعارات إلى "الفعل الهندسي"
إن مواجهة المشاريع التفتيتية تتطلّب إطلاق مشروع وطني جامع، لا يعتمد على الخطابات العاطفية، بل على استراتيجية واضحة لإعادة بناء الدولة كـ "نظام تشغيل" يوفر الحلول. يجب أن يرتكز هذا المشروع على مفهوم "الهوية الوطنية الوظيفية"، أي أن المواطن ينتمي لوطنه لأنه يجد فيه مستقبله، وكرامته، ومصالحه الملموسة. وهنا تبرز أهمية تحويل مفهوم "السيادة" من شعار سياسي إلى واقع خدمي يلمسه المواطن في أدق تفاصيل حياته.
ثالثاً: البنية التحتية كجسر للهوية "هندسة الاتصال"
تُعدّ البنية التحتية هي "العمود الفقري" للوحدة الوطنية. في الدول المنكوبة، لم تعد الطرق والجسور مجرّد مشروعات إسمنتية، بل هي أدوات سيادية لربط أجزاء الوطن وتوحيد الهوية عبر:
كسر العزلة الجغرافية: تسهيل تدفّق البشر والأفكار، وتحويل "الآخر" من عدو متوهّم إلى شريك في التنمية.
خلق الاعتماد المتبادل: ربط محطات الطاقة وسلاسل القيمة يخلق "ضرورة اقتصادية" تجعل من الانفصال انتحاراً معيشياً للجميع.
توحيد الرموز التنموية: بناء مدرسة نموذجية أو مستشفى تخصصي بمعايير وطنية يعيد الثقة في قدرة الدولة على الرعاية والاحتواء.
رابعاً: التنمية كفعل سيادي واستباقي
إن التركيز على البنية التحتية والربط القومي هو الردّ العملي على الأجندات الخارجية. فبينما تحاول تلك الأجندات زراعة "بؤر نفوذ" معزولة، يعمل المشروع الوطني على خلق "دولة شبكية" مترابطة. إن وحدة الهوية هي نتيجة حتمية لمسارات تنموية تربط الأسواق بالجسور، والعقول بالتعليم، والمصالح بالاستقرار.
الخلاصة:
إن ترميم الهوية الوطنية لا يمرّ عبر بوابة النسيان، بل عبر بوابة البناء. إن "هندسة الاستقرار" تبدأ بوضع اللبنة الأولى في مشروع يشعر فيه كل مواطن أنه جزء من كيان أكبر، وأن مصلحته الشخصية مرتبطة وبشكل عضوي بقوة وبقاء هذا الوطن.

