: آخر تحديث

نهاية العقل والإنسان الأخير

2
2
2

كان فرنسيس فوكوياما قد أعطى كتابه الشهير عنوان "نهاية التاريخ والإنسان الأخير". وهو يريد منه أن الليبرالية بلغت قمّة التطوّر البشري، وأن التاريخ سيقف عند هذه الفلسفة التي لم يعد معها إمكانية للتجاوز. ويريد كذلك أن العقل البشري بلغ مداه في سلّم التطوّر الجيني والحضاري. لكن صاحب هذا الكتاب عاد وتراجع عن مقولته التي ضمّنها فيه.

بعد ما يقارب أربعين عاماً، كتب المؤرّخ الإسرائيلي يوفال هراري كتاباً سمّاه "العاقل- تاريخ مختصر للجنس البشري"، انتهى في فصله الأخير إلى أن الإنسان يشهد أفوله وانقراضه الذي سيحصل نتيجة جشعه وما ارتكبت يداه وجناه عليه عقله من تطوّر تكنولوجي، وهذا الكائن التكنولوجي سيدمّر الإنسان ويخلِفه.

من هذين الكتابين يمكن القول إن العقل البشري بلغ نهايته التي ستنهيه؛ فمنذ أن وُجد العقل وهو يتطوّر باستمرار في آلية عمله وأدواته ومعارفه، ولقد وصل من القدرة والتجبّر إلى أنه وضع بين يدي البشر ما يفتح شهية النفس البشرية على جشع فاجع، لم يعد يشبعها شيء في الوجود المتاح. فصارت تبحث عمّا يُشبع رغباتها في مستجدّات غريبة أقرب إلى نزوات التوحّش البدائي.

ولقد كانت هذه الرغبات المتوحّشة عبر التاريخ حكراً على أناس معدودين، من الحكّام والأثرياء والقياصرة، الذين كانت الدنيا كلّها ملك يمينهم. وأمّا الخطير في الأمر فإن هذا التقدّم العقلي والعلمي المهول جعل الدائرة تكبر وتتّسع، حتى تكاد تتحوّل إلى حالة شعبية عامة، وهذه طامّة جعلت الرغبة المتوحّشة تفتح أبوابها على مصاريعها كافة، فكأنها أبواب الجحيم فتّحتها رغباتنا النفسية المتوحّشة.

إن ما كشفته الوثائق بخصوص فضائح "جيفري إبستين" ليس غريباً ولا جديداً، فهو معهود وديدن متّبع للملوك والأثرياء.

فالإنسان حين يصير كل ما يمكنه تصوّره متاحاً له وتحت يديه، يصير تلقائياً يبحث عن جديد، هذه طبيعة بشرية معروفة. فلباس الملوك ليس غالياً لأنه ثمين، وإنّما حين عجز المصمّمون عن أن يأتوا بثمين مختلف، أعطوه سعراً وهمياً لإرضاء النفس التي لم تعد تجد ما يُشبع وهمها. فالفقير يرضى بالرخيص لأنه لا يملك ما يجده، والغني لا يرضى بالرخيص لأنه لا يجد ما يملكه، فهو يعتاض بوهم الغلاء. فهذا الكائن المتوحّش قد ينتحر بفحش ثرائه وهول سطوته حين تنغلق أبواب الممكن عن رغباته، كما ينتحر معدم بائس أُقفلت الحياة أبوابها أمامه.

وإذا كانت هناك بلدان يمكن أن تكون قوانينها أقوى من أباطرتها وملوكها، فثمّة ملوك ورؤساء وأمراء وأباطرة لا تستطيع قوانين مزارعها أن تقوى عليهم.

نحن الناس الفقراء والبسطاء قد نستهول ما كُشف، لكنك لو سألت أي رئيس أو أمير أو ملك أو ثري فلن يراه كما رأيته.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.