: آخر تحديث

نزاهة تضرب بقبضة حديد.. ملايين الريالات المسروقة تُسترد

2
2
3

في عصر لا يُحسب فيه عِظم الدولة بعدد الأبراج الشاهقة والمشاريع الضخمة وحدها، بل بمدى شجاعتها في اقتلاع جذور الفساد من أعماقها، وبقدرتها على حماية كل ريال من المال العام كأنه دم ابنها، تُطلق هيئة الرقابة ومكافحة الفساد "نزاهة" رسالة صارخة: لا أحد فوق القانون، ولا مكان للرشوة في جسد الوطن.

بالأمس، كشفت الهيئة عن سلسلة قضايا جنائية نوعية أصابت أعصاب الجميع: مدير مشاريع في كيان تابع لصندوق الاستثمارات العامة، أكبر صندوق سيادي في العالم، يتقاضى مليونين و175 ألف ريال مقابل ترسية مشاريع وتسهيل أعمال بالباطن. موظف في الشؤون الصحية يستلم 500 ألف ريال لحظة تسلّمه، من إجمالي متفق عليه 10 ملايين، مقابل ترسية مشاريع بقيمة 384 مليون ريال. ثلاثة موظفين في الأحوال المدنية يتقاضون 850 ألف ريال مقابل تسجيل مواليد وإصدار هويات وطنية بطريقة غير نظامية. ضابط صف متقاعد يستولي على أكثر من مليوني ريال من مبالغ مضبوطة في قضايا جنائية. موظف أمانة يأخذ 300 ألف ريال مقابل إصدار تراخيص وكروكي تنظيمي. ضابط دفاع مدني يطلب رشاوى مقابل عدم إصدار مخالفات سلامة. عسكري ومواطنان يستولون على مليون و400 ألف ريال من مقيم، وغيرها من القضايا التي تمتد من الأمانات إلى وزارة البيئة والمياه والزراعة وهيئات التطوير.

الأرقام ليست مجرد أصفار في بيان صحفي، فكل ريال تم ضبطه هو ريال كان سيُنتزع من مستشفى يُبنى، أو من مدرسة تُجهّز، أو من طريق يُعبّد، أو من برنامج دعم يصل إلى مستحقيه. والأهم أن كل قضية أُعلن عنها هي إعلان بأن عصر "الفساد بلا عقاب" قد انتهى. لم تكتف نزاهة بالمراقبة السلبية، بل تعاونت مع صندوق الاستثمارات العامة، ومع وزارة الداخلية، ومع الأجهزة الأمنية كافة، لتضرب في الصميم، من مدير مشروع في أعلى هرم الاستثمار السيادي، إلى موظف استقبال في أمانة، إلى ضابط صف متقاعد. لا منصب يحمي، ولا واسطة تنفع، ولا مكان يأمن فيه المرتشي أو المستولي.

هذه الحملة ليست مجرد ملاحقات قضائية، بل هي استثمار استراتيجي في الثقة الاقتصادية. المستثمر الأجنبي والمحلي لا ينظر فقط إلى حجم السوق، بل إلى مدى نزاهتها. كل قضية تُكشف ويُحاسب مرتكبها تُرسل رسالة إلى العالم مفادها أن السعودية جادة في بناء اقتصاد شفاف، وأن المال العام ليس غنيمة، بل أمانة في عنق الجميع.

اليوم، وهيئة الرقابة تُمسك بخيوط شبكات كانت تُدار في الظلام، يتضح أن النزاهة ليست شعارًا انتخابيًا، بل سياسة دولة. والرسالة واضحة لكل من تسوّل له نفسه العبث بالمال العام: يد القانون طويلة، والحساب قادم. فمن أراد أن ينام مطمئنًا، فليبتعد عن الرشوة والاستيلاء والتلاعب، أما من اختار طريق الفساد فإن نزاهة لا تنام.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.