: آخر تحديث
بين العجز الاستخباري والقرار السياسي:

هل غضّت واشنطن الطرف عن نفوذ طهران في العراق؟

2
2
4

يبدو السؤال للوهلة الأولى وكأنه يكشف فشلاً استخبارياً أميركياً مدوياً: كيف لدولة تمتلك أضخم شبكة تجسس في التاريخ، وأقماراً صناعية ترصد أدق التفاصيل، أن "لا تلاحظ" تمدّد النفوذ الإيراني في العراق، وتشكيل جماعات مسلحة تدين بالولاء لطهران، في الوقت الذي تعلن فيه واشنطن حصار إيران والسعي للحد من مشاريعها الإقليمية التي تهدد حليفتها إسرائيل؟

غير أنَّ هذه المفارقة، عند تفكيكها، تكشف حقيقة مغايرة تماماً: ما جرى لم يكن عجزاً استخبارياً بقدر ما كان خياراً سياسياً واستراتيجياً واعياً. فالمعرفة كانت موجودة دائماً، لكن القرار السياسي كان الغياب المتعمد.

المعرفة حاضرة والقرار غائب
لم يكن النفوذ الإيراني في العراق بعد عام 2003 سراً خفياً، فقد كانت أجهزة الاستخبارات الأميركية على دراية تامة بطبيعة الأحزاب التي عادت مع الاحتلال، وبشبكات ارتباطها الإقليمية، وبخطوط التمويل والتسليح، وبالآليات التي حُوّلت عبرها الجماعات المسلحة إلى "قوى أمر واقع".

لكن المعرفة في المفهوم الاستراتيجي لا تعني بالضرورة التدخل، فقد رأت واشنطن المشهد بوضوح، لكنها اختارت ألا تمنع تمدده، لأن مشروعها في العراق كان هشاً منذ البداية، وقائماً على "إدارة الفوضى" أكثر مما كان مشروعاً حقيقياً لبناء دولة.

خطيئة الاحتلال: تفكيك الدولة وفتح الأبواب
عندما حلّت الولايات المتحدة الجيش العراقي وأجهزة الدولة، لم تُسقط نظاماً سياسياً فحسب، بل أسقطت مفهوم الدولة ذاته. وفي ذلك الفراغ، كانت إيران الطرف الأكثر استعداداً لملء المساحة، بحكم القرب الجغرافي وبفضل علاقاتها السابقة مع قوى المعارضة، وقدرتها الفائقة على الاستثمار في الانقسام الطائفي والسياسي.

في المقابل، كانت واشنطن تبحث عن "شركاء محليين" بأي ثمن، حتى لو كانوا جزءاً من مشروع نفوذ إقليمي مضاد لمصالحها المعلنة.

التسلل تحت المظلة الأميركية
إيران لم تواجه أميركا مواجهة عسكرية مباشرة، بل اعتمدت استراتيجية أكثر دهاءً تمثلت في:

العمل عبر وكلاء محليين ببراعة.

الجمع بين العمل السياسي والسلاح غير الرسمي.

استخدام خطاب "المقاومة" الذي يُربك أي محاولة أميركية للمواجهة المباشرة.

هكذا بُني النفوذ الإيراني داخل الهوامش التي تركتها واشنطن عمداً، لا خارجها.

العراق ضحية "صفقة غير مكتوبة"
هنا تتجلى المأساة العراقية في أوضح صورها، فالعراق لم يكن مجرد ساحة صراع بين قوتين متنافستين، بل كان ضحية "صفقة غير مكتوبة" بينهما. أميركا قبلت بنفوذ إيراني مضبوط مقابل:

1. تقليل استنزاف قواتها بشرياً ومادياً.

2. منع الانهيار الكامل لمشروعها في المنطقة.

3. إبقاء الصراع ضمن حدود يمكن التحكم بها.

وفي المقابل، قبلت إيران بلعب دور الوكيل الإقليمي لا اللاعب المعلن. أما الدولة العراقية، فكانت الخاسر الأكبر: سيادة منقوصة، قرار سياسي مُصادَر، وسلاح خارج الشرعية يُدار تارة باسم "المقاومة" وتارة باسم "الضرورة".

بوصلة إسرائيل والمساومة الكبرى
إن أخطر ما في المشهد ليس النفوذ الإيراني بحد ذاته، بل تطبيع هذا النفوذ تحت نظر وسمع الولايات المتحدة، وكأنه قدر جغرافي لا خيار سياسي. ففي الحسابات الأميركية، لا يُقاس الاستقرار في المنطقة بالعراق، بل بأمن إسرائيل. ما يهم واشنطن فعلياً هو منع أي تهديد وجودي مباشر لتل أبيب، ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي.

أما العراق، فقد أُدير بوصفه "ساحة توازن هش": لا دولة قوية قادرة على الاستقلال بقرارها، ولا ساحة إيرانية خالصة تفرض واقعاً جديداً كلياً.

الخلاصة
لم تعجز الولايات المتحدة عن رؤية النفوذ الإيراني في العراق، بل اختارت أن تديره لا أن تقتلع جذوره. ولم تنتصر إيران بعبقريتها وحدها، بل بقدرتها على استثمار أخطاء الاحتلال الأميركي القاتلة. وبين هذا وذاك، بقي العراق يدفع ثمن صراع لم يُستشر فيه، ولم يُسمح له أن يكون طرفاً مستقلاً في تحديد مصيره.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.