ما إن أصبحتُ "نزيلة"، أدركتُ أنَّ أوَّل ما يُسلب منكِ في السجن ليس حريَّتكِ فقط، بل اسمكِ.
"نزيلة" هكذا ينادونكِ.
لا أحد يسأل من كنتِ، ماذا تُحبِّين، ماذا تكرهين، ما اسمكِ الذي كانت أمُّكِ تُناديكِ به.
الاسم يُترك خارج البوابة الحديديَّة، كما تُترك بقيَّة الأشياء الشخصيَّة.
وقيل لي بوضوحٍ غير مكتوب:
انسَي اسمكِ.
والأهم، لا تتحدَّثي بصدقٍ عن سبب سجنكِ.
كان هناك قانونٌ خفيٌّ يسري بين الجدران:
الحقيقة رفاهيَّة لا تُمارس هنا.
تذكَّرتُ صديقتي.
هي نفسها التي مرَّت بهذه التجربة قبلي. كانت كلماتها تعود إليَّ كأنَّها تُبثُّ من ذاكرةٍ بعيدة:
"لا تبكي حين يضعون الأصفاد الفضِّيَّة في يديكِ.
أنتِ أكبر من أيِّ هزيمةٍ في حياتكِ."
الأصفاد الفضِّيَّة.
لم أفهم يومًا لماذا يُصرُّون على وصفها بالفضِّيَّة.
كأنَّ لمعانها يُخفِّف من قسوتها.
لكنَّها، مهما كان لونها، تبقى دائرةً باردةً تُغلق حول المعصم وتُذكِّركِ بأنَّكِ لم تعودي حرَّة.
حاولتُ أن أكون أكبر من الهزيمة.
لكنَّني كنتُ إنسانة، فقط.
طُلب منِّي أن أخلع ملابسي.
وقفتُ لحظةً متردِّدة، لا لأنَّني لم أفهم الإجراء، بل لأنَّ تلك اللحظة كانت إعلانًا رسميًّا عن خلع حياتي السابقة أيضًا.
خلعتُ ملابسي قطعةً قطعةً، وكأنَّني أخلع أيَّ أثرٍ للبيت، للشارع، للمرآة التي كنتُ أرى فيها نفسي.
ارتديتُ ثوب السجن السماوي.
لونٌ بارد، بلا ملامح.
يشبه سماءً بلا شمس.
ثمَّ جاء دور التفاصيل الصغيرة التي تؤلم أكثر ممَّا نتوقَّع.
اقتربت منِّي إحدى الموظَّفات، ونظرت إلى وجهي، ثمَّ إلى أنفي.
الألماسة الصغيرة التي كنتُ أضعها منذ سنوات.
قطعةٌ بسيطة، لكنَّها كانت جزءًا منِّي، من صورتي، من أنوثتي، من اختياري.
قالت ببرود:
"يجب إزالتها."
لم يكن هناك خيار.
قُصَّت.
بسهولةٍ موجعة.
شعرتُ كأنَّ شيئًا انكسر داخلي، ليس لأنَّ قيمتها الماديَّة كبيرة، بل لأنَّها كانت آخر لمسةٍ شخصيَّةٍ بقيت لي.
أعطوني شنطة.
بداخلها أشياء محدودة، مرتَّبة بطريقةٍ عمليَّة، بلا روح.
ثمَّ أخذوني إلى التوقيف الحقيقي.
هناك فهمتُ الفرق.
ما سبق كان مجرَّد تمهيد.
أمَّا هنا، فكان الواقع بكلِّ ثقله.
قالوا إنَّني سأقضي 21 يومًا.
21 يومًا.
رقمٌ بسيط حين يُكتب، لكنَّه حين يُعاش يصبح عمرًا كاملًا.
دفعتني العسكريَّة إلى الداخل.
دفعةٌ خفيفة، لكنَّها كانت كافيةً لأتجاوز العتبة.
وما إن دخلتُ،
حتَّى انهار كلُّ ما كنتُ أتماسك به.
فجأةً، انخرطتُ في البكاء.
ليس بكاءً صامتًا هذه المرَّة.
بكاء طفلٍ ضاع في سوقٍ مزدحم.
أردتُ أمِّي.
ببساطةٍ موجعة، أردتُ أمِّي.
أردتُ إخوتي.
أردتُ أن أُخبرهم أنَّ إجازة العيد 12 يومًا، وأنَّني لن أستطيع التواصل معهم.
كنتُ أفكِّر في تفاصيل صغيرة:
هل سيقلقون؟
هل سيظنُّون أنَّني تجاهلتهم؟
هل ستنتظر أمِّي مكالمتي في أوَّل يومٍ من العيد؟
كان الطابور طويلًا أمام الهاتف.
الجميع يريد أن يُطمئن عائلته.
الجميع يريد أن يقول "أنا بخير" حتَّى لو لم يكن كذلك.
كان المشهد قاسيًا.
وجوه متعبة.
عيون دامعة.
أصوات تختنق قبل أن تكتمل.
وقفتُ في الطابور.
ثمَّ اكتشفتُ الصدمة الأصغر، لكنَّها كانت كافيةً لكسرٍ جديد.
لم أكن أحفظ أيَّ رقمٍ من أسرتي.
في حياتنا الحديثة، لا نحفظ الأرقام.
نضغط اسمًا، فيُجرى الاتصال.
لكن هنا، لا أسماء في الهاتف.
فقط أرقام.
وأنا لا أملك رقمًا واحدًا في ذاكرتي.
وقفتُ هناك، أراقب الأخريات وهنَّ يتحدَّثن.
واحدة تبكي وتضحك في الوقت نفسه.
أخرى تهمس بسرعةٍ قبل أن ينقطع الوقت.
وثالثة تُكرِّر: "أنا بخير، لا تخافوا."
أمَّا أنا،
فكنتُ أحمل كلَّ الكلمات في صدري،
ولا أملك رقمًا أُرسلها إليه.
في تلك اللحظة شعرتُ بوحدةٍ لم أعرفها من قبل.
ليس لأنَّني مُحاطة بغرباء،
بل لأنَّني كنتُ عاجزةً عن الوصول إلى أحبَّتي.
جلستُ لاحقًا على سريري الضيِّق، أضمُّ الشنطة إلى صدري كأنَّها شيءٌ حيٌّ.
تذكَّرتُ كلمات صديقتي مرَّةً أخرى:
"أنتِ أكبر من أيِّ هزيمة."
حاولتُ أن أُصدِّقها.
حاولتُ أن أجد في داخلي تلك القوَّة التي كانت تتحدَّث عنها.
لكنَّ الحقيقة،
أنَّ بعض اللحظات لا تحتاج بطولة.
تحتاج فقط حضن أمٍّ.
وصوت أخٍ يقول: "كلُّ شيء سيكون بخير."
وفي تلك الليلة، تحت ضوءٍ خافتٍ وجدرانٍ باردة،
كنتُ نزيلة.
لكنَّني، في أعماقي، كنتُ فقط فتاةً تشتاق إلى بيتها.

