: آخر تحديث

أوروبا بين السيادة والطلسنة

2
3
4

المتابعُ لما يجري في أوروبا خلال العامين الأخيرين يلحظ بسهولةٍ أن شيئاً ما تغيّر في نبرة الخطاب عبر الأطلسي، حيث لم تعد العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة قابلةً للاختزال في مفردات الشراكة التقليدية أو في سردية القيم المشتركة التي حكمت مرحلة ما بعد الحرب الباردة. ما نشهده اليوم ليس تمرداً أوروبياً على الهيمنة الأميركية، بل إعادة توزيعٍ محسوبةٍ للضغط داخل الحلف الأطلسي، هدفها تحسين شروط التفاوض لا كسر الإطار نفسه، فأوروبا لا تتحرك نحو مغادرة المظلة الأميركية، بل نحو تقليل هامش الارتهان داخلها، في سياق مراجعةٍ داخل المعسكر الغربي لا خروجٍ منه.

هذا الاتجاه عبّر عنه إيمانويل ماكرون بوضوحٍ في خطاباته عام 2026، ففي مؤتمر ميونيخ للأمن قال: "يجب أن نكون نحن من يفاوض على البنية الأمنية الجديدة لأوروبا، لأن جغرافيا أوروبا لن تتغير، وسنعيش مع روسيا في نفس المكان، ولا أريد أن تُنظم هذه المفاوضات بواسطة شخصٍ آخر"؛ هذه العبارة تبدو للوهلة الأولى إعلان سيادةٍ كاملةٍ، لكنها في جوهرها تعبيرٌ عن مطلب السيادة داخل التحالف لا خارجه؛ فالرئيس الفرنسي نفسه شدد على أن أوروبا ستكون "حليفاً أفضل، خصوصاً للولايات المتحدة، إذا أصبحت أقوى"، أي أن الاستقلال المقصود هو تعزيز القدرة التفاوضية ضمن الإطار الأطلسي، لا تأسيس إطارٍ بديلٍ عنه.

وفي ألمانيا، عكست تصريحات المستشار أولاف شولتس المعادلة نفسها، ففي 27 شباط (فبراير) 2022، وبعد ثلاثة أيامٍ فقط من بدء الحرب الروسية على أوكرانيا، ألقى شولتس خطاباً استثنائياً أمام البوندستاغ أعلن فيه ما سمّاه "نقطة تحوّلٍ تاريخيةٍ". لم يكن المصطلح اسم وثيقةٍ رسميةٍ، بل توصيفاً سياسياً لمرحلةٍ جديدةٍ في العقيدة الأمنية الألمانية، تُرجم عملياً إلى إنشاء صندوقٍ خاصٍّ بقيمة 100 مليار يورو لتحديث الجيش الألماني وتعهدٍ برفع الإنفاق الدفاعي إلى ما يفوق 2 بالمئة من الناتج المحلي. ومع ذلك، شدد شولتس في الخطاب ذاته على أن "حلف شمال الأطلسي يبقى ضامن أمننا"، ما يعني أن هذا التحول لم يكن خروجاً من الإطار الأطلسي، بل إعادة تموضعٍ داخله، وهكذا جرت إعادة التسلح الألمانية تحت المظلة الأميركية، لا خارجها.

غير أن هذا الطموح يصطدم بطبيعة البنية القانونية للاتحاد ذاته. فالسياسة الخارجية والأمنية المشتركة للاتحاد الأوروبي (CFSP) هي إطارٌ تنسيقيٌّ بين الدول الأعضاء، لا سياسةٌ اتحاديةٌ مكتملةُ الصلاحيات. وبحكم خضوع القرارات الجوهرية في هذا المجال، ولا سيما ما يتعلق بالعقوبات، وإطلاق بعثاتٍ عسكريةٍ أو مدنيةٍ، والمواقف الاستراتيجية الكبرى، لمبدأ الإجماع داخل المجلس، فإن أي دولةٍ عضوٍ تملك فعلياً القدرة على تعطيل أو تأخير قرارٍ استراتيجيٍّ كبيرٍ إلى أن يتم التوصل إلى تسويةٍ سياسيةٍ. صحيحٌ أن الاتحاد يعتمد نظام الأغلبية المؤهلة في مجالاتٍ أخرى مثل السوق الداخلية أو التجارة، لكن الأمن والدفاع يظلان في جوهرهما مجالي سيادةٍ وطنيةٍ. الدفاع لا يزال اختصاصاً وطنياً، والاتحاد لا يمتلك جيشاً موحداً أو قيادةً عملياتيةً مستقلةً، كما أنه لا يملك صلاحياتٍ ضريبيةً واسعةً تمكّنه من تمويل سياسةٍ دفاعيةٍ اتحاديةٍ شاملةٍ دون موافقة الدول الأعضاء. وأي تعديلٍ جوهريٍّ لهذه المعادلة يتطلب تعديل المعاهدات الأوروبية، وهو مسارٌ سياسيٌّ وقانونيٌّ معقدٌ يحتاج إجماعاً وتصديقاتٍ وطنيةً، وربما استفتاءاتٍ شعبيةً، كما أظهرت تجربة إسقاط مشروع الدستور الأوروبي عام 2005، هذه ليست عقباتٍ ظرفيةً، بل قيودٌ قانونيةٌ مؤسَّسةٌ في صميم البناء الأوروبي.

هذا التصميم المؤسسي ينعكس في أرقام الاعتماد البنيوي على الولايات المتحدة. وفق بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، شكّلت الولايات المتحدة نحو 63 بالمئة من واردات الأسلحة لدول أوروبا الأعضاء في حلف الناتو بين 2019 و2023. في المجال التكنولوجي، تسيطر الشركات الأميركية على ما بين 65 بالمئة و70 بالمئة من سوق الحوسبة السحابية في أوروبا. في رأس المال المخاطر، تبلغ الاستثمارات في الولايات المتحدة نحو 0.7 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً، مقابل نحو 0.2 بالمئة أو أقل في الاتحاد الأوروبي. في منظومة البحث العلمي، تحتل الجامعات الأميركية ما يقارب خمسة عشر موقعاً من بين أفضل عشرين جامعةً عالمياً في معظم التصنيفات الدولية، بينما لا يتجاوز تمثيل دول الاتحاد الأوروبي مجتمعةً ثلاثة أو أربعة مواقع. وفي التجارة، بلغ إجمالي التبادل السلعي بين الطرفين عام 2023 نحو 851 مليار يورو، مع وارداتٍ أوروبيةٍ من الولايات المتحدة تقارب 346 مليار يورو.

هذه الأرقام ليست مؤشراتٍ متفرقةً، بل تعكس منظومة تفوقٍ متكاملةً؛ تفوقٌ في الابتكار يُغذي تفوقاً في رأس المال، يُترجم إلى شركاتٍ عملاقةٍ، ينعكس في هيمنةٍ رقميةٍ، ويستكمل بدورٍ مركزيٍّ في سلاسل التسليح والطاقة؛ لذلك فإن الحديث عن تقليص التبعية لا يتعلق بقطاعٍ واحدٍ، بل بإعادة بناءٍ متزامنةٍ لقطاعات الدفاع والتمويل والتكنولوجيا والبحث العلمي.

الحقيقة أن هذا لا يعني أن أوروبا عاجزةٌ بصورةٍ دائمةٍ، لكنه يعني أن الاستقلال الكامل يتطلب إعادة تأسيسٍ مؤسسيةٍ عميقةٍ تتجاوز رفع الإنفاق أو إطلاق مبادراتٍ جزئيةٍ؛ بناء قاعدةٍ صناعيةٍ دفاعيةٍ متكاملةٍ يحتاج عقداً أو أكثر، وتوحيد سوق رأس المال الأوروبي يتطلب إصلاحاتٍ تنظيميةً وتشريعيةً واسعةً؛ وتعديل المعاهدات قد يستغرق 5 إلى 10 سنواتٍ في حال توفر إجماعٍ سياسيٍّ، وهو أمرٌ غير مضمونٍ في ظل تباين المصالح بين 27 دولةً؛ لذلك فإن الحديث عن تحولٍ جذريٍّ خلال العقدين القادمين يظل طموحاً نظرياً أكثر منه مساراً واقعياً.

إلى جانب القيود القانونية والزمنية، تبقى مسألة الإرادة السياسية حاسمةً، الاستقلال الاستراتيجي ليس شعاراً بل كلفة؛ كلفة إعادة توجيه الموارد من نماذج الرفاه إلى الدفاع والبحث، وكلفة قبول مخاطر ماليةٍ أعلى، وكلفة الدخول في تنافسٍ مباشرٍ مع الولايات المتحدة في التكنولوجيا والتمويل. حتى الآن، لا يظهر إجماعٌ أوروبيٌّ واسعٌ لتحمل هذه الكلفة على المدى الطويل.

بلا شك، فإن ما يحدث اليوم هو إعادة معايرةٍ داخل الحلف الأطلسي، لا مشروعاً لتجاوزه؛ أوروبا تسعى إلى تقليل هشاشتها وتوسيع هامش قرارها، لكنها لا تمتلك، في المدى المتوسط على الأقل، مركز قرارٍ موحداً ولا بنيةً قانونيةً مرنةً ولا إجماعاً سياسياً يسمح بتحولٍ سريعٍ نحو استقلالٍ كاملٍ. أوروبا لا تعيد كتابة النظام الغربي، بل تعيد التفاوض على موقعها داخله، محاولةً تحقيق سيادةٍ نسبيةٍ داخل تحالفٍ ما زال، بحكم البنية والمؤشرات، تديره واشنطن.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.