الكويت ليست صفحة في كتاب، بل كتاب متجدد يعيد كتابة نفسه كلما تغيّر الزمن. إرثها ليس حجارة قديمة ولا صوراً باهتة في أرشيف، بل روح تعلمت من البحر أن التجدد هو شرط البقاء.. من زمن اللؤلؤ، حين كان الغواص يهبط إلى العتمة بحثاً عن ضوء مختبئ في صدفة، إلى زمن النفط، حين أضاءت الأرض بما كان مدفوناً في أعماقها، ظل المعنى واحداً: «الثروة الحقيقية هي القدرة على النهوض من كل مرحلة بروح جديدة».
الكويت اليوم بعد تجربتها في النقاشات السياسية الصاخبة التي وصلت إلى حد الفوضى أحياناً، تعود اليوم إلى توازنها الدقيق في عالم يهتزّ ويحتاج إلى ثباتها الداخلي.. تعود الدولة القوية، تتعلم من ماضيها دون أن تسكنه. الكويت لا تَهدم ما كان، بل تُعِيد ترتيبه بما يناسب اللحظة. وفي الحاضر يتسع الأفق بفكرة الإصلاح، وبانضباط المؤسسات، وبوعي بأن المستقبل لا ينتظر المترددين.
إذا عدنا إلى القرن الثامن عشر، نجد أن نشأة الكويت لم تكن حدثاً صاخباً، بل كانت استقراراً تدريجياً لعائلات قدمت إلى الساحل، وبنت مجتمعاً قائماً على التجارة والغوص وصناعة السفن. موقعها المهم جعلها نقطة عبور، وميناؤها الصغير تحوّل إلى عقدة تجارية في الخليج. لم تكن دولة نفطية، بل دولة بحر.. الثروة آنذاك كانت في اللؤلؤ، وفي السمعة التجارية. وفي أواخر القرن التاسع عشر وقّعت الكويت اتفاقية مع المملكة المتحدة عام 1899 في لحظة إدراك سياسي مُبَكِّر بأن الجغرافيا تحتاج إلى مظلة. كان ذلك قراراً استراتيجياً حفظ كيان الدولة وسط صراع إقليمي مُعقد. ثم جاء عام 1961، عام الاستقلال الرسمي، حيث دخلت الكويت مرحلة الدولة الحديثة. أما اكتشاف النفط في الثلاثينات من القرن الماضي فقد غيّر كل شيء. فجأة تحول اقتصادها من اقتصاد قائم على البحر، إلى اقتصاد قائم على الأرض.
ثم جاء الاختبار القاسي عام 1990، عندما اجتاحها نظام صدام حسين. لحظة كادت تمحو الدولة. لكن ولاء أهلها لها، والتحالف العربي والدولي، أعاد تثبيت موقعها في العالم. كانت تلك اللحظة كافية لتصبح السياسة الخارجية الكويتية أكثر حساسية للتوازنات وأكثر وعياً بأهمية التحالفات.
اليوم في ظل حكمة القيادة الجديدة، تتجه الكويت إلى مرحلة إصلاح إداري ومؤسسي واضح. الخطاب الرسمي يركّز على مكافحة الفساد، وإعادة الانضباط المالي، وتعزيز هيبة الدولة.
لا يمكن فهم المرحلة الحالية بمعزل عن تحديات داخلية قديمة، تراكمت لسنوات بسبب سوء استخدم مساحة الحرية التي منحتها الدولة بحيث بدأت تتحول إلى صراعات برلمانية متكررة ما أدى إلى بطء في تنفيذ المشاريع؟ الإصلاح هنا كان ضرورة بنيوية.
اقتصادياً، تسعى الكويت إلى تنويع مصادر الدخل، مستفيدة من موقعها المالي القوي وصناديقها السيادية، وعلى رأسها «الهيئة العامة للاستثمار» التي تعد من أقدم وأكبر الصناديق السيادية في العالم. الرهان اليوم هو الانتقال من دولة ريعيّة، إلى دولة استثمارية إنتاجية، دون المساس بعقدها الاجتماعي.
أما في السياسة الخارجية، فحافظت الكويت على نهج التوازن، فهي عضو فاعل في مجلس التعاون الخليجي، وتحافظ على علاقات استراتيجية مع أمريكا، وفي الوقت نفسه تسعى إلى علاقات مستقرة مع دول الخليج والمنطقة. تُعرَف اليوم الكويت بدبلوماسية «خفض التوتر» لا تأجيجه. هذه ليست صدفة، بل امتداد تاريخي قائم على البراغماتية البحرية: «التاجر الجيد لا يُخاصم الميناء المُجَاوِر».الكويت اليوم ليست أبراجاً زجاجية في مدينة حديثة، وليست حقول نفط. هي مجتمع حيّ فيه تيارات فكرية، وصحافة نشطة، وثقافة أدبية، وفنية.
المشهد الكويتي اليوم يضعنا أمام دولة صغيرة جغرافياً، لكنها كبيرة استثمارياً وسياسياً، وتتحرك بين قوى إقليمية كبرى بحسابات دقيقة.
هكذا انتقلت بسياستها واقتصادها بفكر مُنفتح ومُتجدد.. من اللؤلؤ إلى النفط. ومن الحماية البريطانية إلى الاستقلال والتحرير. ومن اقتصاد ريعي إلى اقتصاد التنويع، المسار لم يكن طريقاً مستقيماً، بل مملوءاً بالمنعطفات التي استطاعت اجتيازها بحكمة وطموح. الكويت اليوم تواجه بثقة منعطفاً مهماً تعيد فيه قراءة التاريخ لا لتقف عنده، بل لتستخرج منه وقوداً للمرحلة القادمة.
الكويت تعلمت أن وقف التدخلات الخارجية، وإعادة الأصالة للهوية الوطنية، وضبط الإيقاع الداخلي، هي طريقها لاجتياز المرحلة، فهي تملك كل مقومات النجاح من ثروة مالية هائلة، ومجتمع متعلم، وموقع جغرافي ممتاز.
الكويت.. إرث يتجدد وأفق يتسع
مواضيع ذات صلة

