: آخر تحديث

لغتا الأرقام والسياسة

3
3
3

لغة الأرقام على عكس لغة السياسة لا تكذب. إلا أن صدقها لا يعني أن ردود الفعل أو الأفعال نحوها تتساوى أو تتشابه، أو لا تكون محلاً لخلاف. فحين يقرأ المرء منّا إحصاءات عن عدد رؤساء الحكومات في إيطاليا مثلاً، خلال فترة زمنية سابقة عن فترة حكم رئيسة الوزراء الحالية جورجيا ميلوني، فإن رد الفعل المتوقع هو الشعور بالشفقة نحو بلد عريق فشلت نخبته السياسية في الوصول إلى صيغة تمكّن من الاستقرار السياسي. لكن حين يتعلق الأمر ببلد آخر مثل بريطانيا، عُرف واشتهر بالاستقرار السياسي، ومؤخراً انقلبت به الحال حتى كاد يفوق إيطاليا في تغيير رؤساء الحكومات، يختلف بالتأكيد رد الفعل، ليفتح الباب أمام السؤال: ما الذي حدث ويحدث؟ آخذين في الحسبان أن مارغريت ثاتشر وتوني بلير بقيا في 10 داونينغ ستريت، 11 سنة و10 سنوات على الترتيب.

استناداً إلى الإحصاءات الرسمية، تولى 6 رؤساء رئاسة الحكومة البريطانية خلال فترة زمنية لا تزيد على 10 سنوات. وفي السنوات الأربع الأخيرة، شهدت بريطانيا تولّي أربعة رؤساء حكومات؛ أي بمعدل رئيس حكومة كل عام. وكأن هذا لا يكفي؛ فقد تولى منصب وزير الخزانة - الثاني في الأهمية بعد رئاسة الحكومة - منذ عام 2020، ستة وزراء، وتولّى ستة آخرون منصب وزير الخارجية!

هذه الأيام، حان الدور على رئيس الحكومة العمالي الحالي؛ السير كير ستارمر، حيث بدأت الخشبة تُعدّ على وجه السرعة لاستقبال رئيس حكومة جديد. السير ستارمر لم يكمل العام الثاني بعد في رئاسة الحكومة، علماً بأنه حصل لحزب «العمال» على ثاني أكبر أغلبية برلمانية في كل تاريخه، لكنها لم تشفع له. المنقذ القادم للحزب من ورطته اسمه أندي بيرنهام، وهو حالياً يشغل منصب عمدة مدينة مانشستر، وعمل سابقاً وزيراً في حكومتي توني بلير وغوردن براون.

من شروط تولّي رئاسة الحكومة والمناصب الوزارية أن يكون المترشح نائباً في مجلس النواب، أو عضواً في مجلس اللوردات. المترشح الأكثر حظوظاً للحلول بديلاً للسير ستارمر ليس نائباً برلمانياً أو لورداً. ولفتح الطريق أمامه، تطوع نائب برلماني بالاستقالة من مقعده ليمنحه الفرصة، طمعاً في تسلم المكافأة فيما بعد.

الرئيس ستارمر يرفض التنازل عن كرسيه من دون قتال. لكن، استناداً إلى وسائل الإعلام، ولغة الأرقام، فإن المعركة تكاد تكون محسومة. لكن الثبات ليس من طبيعة لغة الأرقام؛ فهي عرضة للتغير بتغير الظروف وما قد يحدث من مستجدات؛ على سبيل المثال، إذا فشل المترشح الجديد في الفوز في الانتخابات الثانوية التي ستعقد قريباً، وبخاصة إذا علمنا من خلال الأرقام التي أظهرتها نتائج الانتخابات المحلية مؤخراً، أن حزب «الإصلاح» البريطاني اليميني اكتسح تلك الدائرة المستهدفة، واستحوذ على نحو 50 في المائة من أصوات الناخبين. أضف إلى ذلك، هناك أيضاً المعركة النارية المحتملة مع منافسين آخرين على الزعامة من داخل الحزب.

حزب «العمال» وصل إلى الحكم لأن زعيمه ستارمر وعد الناخبين بالتغيير وبالاستقرار؛ ذلك أن الناخبين البريطانيين ضاقوا ذرعاً بالفوضى التي أحدثها المحافظون، والأضرار التي لحقت بالاقتصاد من جراء ذلك. لكن الوعد بالتغيير والاستقرار سقط بعد أقل من عامين من وجوده في الحكم، وها هو يقف حالياً على حافة هاوية، ومن المحتمل، وفق المعطيات الحالية، أن تفضي به إلى خارج المسرح خلال فترة قصيرة مقبلة، ما لم تتدخل الظروف لإنقاذه.

العماليون وهم مقبلون على الحرب فيما بينهم، يدركون مسبقاً من تجربة حزب المحافظين أن الحروب الداخلية تقود إلى خسارة الحزب، وبالتالي خسارتهم الشخصية. ويعلمون أن تغيير القادة مثل تغيير القمصان، لا يفضي إلى تغيير حظوظ الحزب إلى الأفضل، وبالتأكيد لن يفيد البلاد. لكن لا فائدة ترجى من الاعتبار بدروس التاريخ ومن التجارب؛ إذ ثبت أن بريطانيا ليست خارج مجال الجاذبية الأرضية.

يوم الأربعاء الماضي، في افتتاح الدورة البرلمانية الجديدة، ألقى الملك تشارلز الثالث خطاب العرش، وهو الخطاب الذي تعده له الحكومة ويقرأه نيابة عنها في كل دورة برلمانية جديدة، ويشمل مشاريع القوانين التي تنوي تنفيذها. ومن سوء حظ رئيس الحكومة السير ستارمر، أن مشاريع القوانين الجديدة التي أعدها قد لا تتاح له فرصة تحقيقها، وهو معلق الآن في المنصب بخيط أوهن من خيط عنكبوت.

يمكن رؤية هذه التحركات على أنها جزء من ديناميكية عُرفت بها الأحزاب البريطانية، كونها - كما يؤكد مؤرخون ومعلقون سياسيون - تملك آليات داخلية سريعة ومطاطة لمعاقبة أو استبدال قادتها إذا استشعر النواب الخطر على مقاعدهم. خسارة العماليين في الانتخابات المحلية الأخيرة، بإنجلترا وويلز واسكوتلندا، لافتة للنظر وغير مسبوقة، وربما كانت صيحة الإيقاظ وإشارة الخطر لهم بضرورة الإسراع بالتحرك.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد