: آخر تحديث

الخوارزميات تصنع العالم... هل نبقى مترجمين؟

4
4
3

هل لاحظتم أننا نتقن الحديث أكثر مما نتقن الفعل؟ لماذا يُحتفى بمن يتحدث بطلاقة بلغات الآخرين، بينما يُهمل من يفهم لغة العصر الحقيقية؛ لغة الخوارزميات؟ هل نحن نتعلم لنفهم العالم، أم لنبقى قابلين للإدارة داخله؟ سؤال مزعج، نعم، لكنه ضروري، لأن الأمم لا تُقاس بعدد المتحدثين بلغات أجنبية، بل بعدد القادرين على صناعة أدوات المستقبل.

لماذا يُدفع بنا منذ الطفولة إلى تعلم لغات بشرية بهدف التواصل، بينما لا يُدفع بنا بالقدر نفسه إلى تعلم لغات الآلة بهدف السيطرة؟ أهو مجرد خلل تعليمي بريء، أم أنه انعكاس لبنية عالمية تريد شعوباً مستهلكة لا منتجة؟ لماذا يبدو الحديث عن البرمجة ترفاً، بينما الحديث عن اللغة الأجنبية ضرورة اجتماعية؟ من الذي رسم هذه الأولويات، وعلى أي أساس؟

أليس غريباً أن يُنظر إلى من يتحدث الفرنسية أو الإنجليزية بإعجاب اجتماعي، بينما من يكتب خوارزمية معقدة قد يبقى مجهولاً؟ هل لأن المجتمع لا يفهم ما يفعل؟ أم لأن القوة الحقيقية غالباً ما تكون صامتة؟ ثم، أليس التاريخ نفسه يخبرنا أن من يملك الأداة يملك القرار؟ من امتلك البوصلة رسم الخرائط، ومن امتلك المطبعة صاغ الوعي، ومن امتلك الحاسوب أعاد تشكيل الاقتصاد، فماذا عن من يمتلك الخوارزمية اليوم؟

وهل التعليم فعلاً يهيئك للمستقبل، أم يهيئك لتكون موظفاً جيداً في نظام صنعه غيرك؟ لماذا يُكافأ الحفظ أكثر من التفكير؟ ولماذا تُختزل المعرفة في شهادات لا في مهارات؟ ألسنا نُخرّج أجيالاً تعرف كيف تجيب في الامتحان، لكنها لا تعرف كيف تطرح سؤالاً جديداً؟ أليس أخطر ما يمكن أن يحدث لعقل الإنسان أن يعتاد الإجابات الجاهزة؟

ثم دعنا نسأل بصراحة: هل اللغة الأجنبية اليوم أداة معرفة أم أداة مكانة اجتماعية؟ هل نتعلمها لنقرأ العلم، أم لنبدو أكثر تحضراً في أعين الآخرين؟ وهل الحضارة فعلاً في اللسان، أم في القدرة على الإنتاج؟ كم من أمة لا تتحدث لغات الآخرين لكنها تقود صناعات كاملة؟ وكم من أمة تتقن الحديث لكنها تستورد كل شيء؟

ألا يبدو المشهد أحياناً عبثياً؟ نتجادل حول اللهجات والنطق، بينما تُصاغ قرارات الاقتصاد والسياسة والتقنية داخل خوارزميات لا نفهمها. نتباهى ببلاغة الخطاب، بينما الذكاء الاصطناعي يكتب ويحلل ويقرر بسرعات تتجاوزنا. فهل نحن نتطور فعلاً، أم نُستبدل بهدوء؟

وهل المشكلة في اللغات نفسها؟ بالطبع لا، اللغة جسر معرفة وليست عدواً، ولكن السؤال الحقيقي: هل نبني الجسور لنعبر، أم لنقف عليها متفرجين؟ هل نتعلم لننافس، أم لنندمج فقط؟ الفرق دقيق لكنه حاسم، لأن من يندمج بلا قوة يتحول إلى تابع، ومن يتعلم ليصنع يصبح شريكاً.

وهل يمكن أن يكون هذا القصور نتيجة خوف خفي؟ الخوف من التعقيد، من الرياضيات، من التفكير المنهجي؟ لماذا يُربى الطالب أحياناً على أن التقنية صعبة وأنها لنوابغ استثنائيين؟ أليس هذا خطاباً مريحاً يبرر التخلف؟ ماذا لو كانت المسألة تدريباً لا عبقرية؟ وماذا لو كانت الإرادة أهم من الذكاء الخام؟

ثم هناك سؤال فلسفي أعمق: هل الإنسان المعاصر يريد حقاً أن يفهم، أم يكتفي بأن تُدار حياته بسلاسة؟ الهاتف يفكر عنه، الخوارزمية تقترح له، المنصة تختار له، والسياسة تُصاغ بعيداً عنه، فهل أصبحنا نفضل الراحة على السيطرة؟ وهل هذه الراحة نفسها قد تكون فخاً ناعماً؟

وإذا استمر هذا المسار، ماذا سيحدث؟ هل سنصبح شعوباً تتحدث كثيراً لكنها لا تقرر شيئاً؟ هل سنكون مستخدمين دائمين لا مبتكرين؟ وهل أخطر أشكال الاستعمار اليوم قد يكون تقنياً لا عسكرياً؟ أسئلة ثقيلة، لكنها ليست تشاؤمية بقدر ما هي دعوة للوعي.

لأن الحقيقة البسيطة ربما هي هذه: من يبرمج يحدد القواعد، ومن يجهل البرمجة يعيش داخل قواعد غيره. من يفهم الخوارزمية يستطيع مساءلتها، ومن يجهلها يثق بها بلا وعي. فهل نريد أن نكون فاعلين أم مفعولاً بهم؟ صانعين أم مستهلكين؟ شركاء في المستقبل أم مجرد جمهور؟

وربما السؤال الأخير هو الأصدق: هل ما زال لدينا الوقت لتغيير المسار؟ أم أن القطار انطلق فعلاً؟ الإجابة ليست في الكتب ولا في الخطابات، بل في قرار فردي وجماعي: هل سنبقى نتقن الكلام، أم سنبدأ أخيراً بصناعة المعنى؟

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.