بينما لا تزال غزة تعيش فصول حرب مفتوحة، لم تنجح المدافع في حسمها عسكرياً، ولم تفلح الدبلوماسية في إغلاق ملفاتها سياسياً، يتعمق المشهد الإنساني تعقيداً يوماً بعد يوم، وتتسع معه الهوة بين متطلبات البقاء اليومي للمواطن الفلسطيني وبين حسابات السياسة الثقيلة التي تُدار في الغرف المغلقة. الميدان في القطاع لم يعرف استقراراً حقيقياً بالرغم من ما يُشاع عن جولات تهدئة ممتدة أو هدن متقطعة، والمفاوضات الجارية في العواصم الوسيطة لم تنجح بعد في إنتاج تلك الصيغة النهائية التي تضع حداً لنزيف الدماء أو ترسم ملامح واضحة ومطمئنة لما بات يُعرف بـ "اليوم التالي" للحرب.
إن المفاوضات التي تُجرى حالياً تدور في حلقة مفرغة، فهي تحاول الجمع بين تبادل الأسرى وبين هدنة ممتدة تضمن تدفق المساعدات، لكنها تصطدم بجدار من التناقضات الصارخة. فالفجوة بين ما تطالب به الحركة الفلسطينية من ضمانات سياسية وأمنية شاملة، وبين الشروط الإسرائيلية التي تربط أي تهدئة بتحقيق أهداف استراتيجية غامضة، تجعل من كل اتفاق يولد "خديجاً" وهشاً وقابلاً للانهيار عند أول طلقة. وفي هذه الأثناء، يبقى الواقع الميداني هو الحاكم الفعلي؛ ضربات متفرقة، واستهداف ممنهج للبنية التحتية، وضغوط إنسانية بلغت حداً لم يعد يحتمله بشر، وسط غياب الرؤية الموحدة لكيفية الخروج من هذا النفق المظلم.
وسط هذا الركام النفسي والمادي، يبرز إلى السطح نقاش يثير الكثير من التساؤلات المشروعة حول توقيت "الانتخابات الداخلية" في حركة حماس لرئاسة مكتبها السياسي، مع تداول أسماء وازنة مثل خالد مشعل وخليل الحية كمرشحين لخلافة المرحلة القادمة. وبالرغم من أن هذا الاستحقاق التنظيمي الشامل، والمقرر استكماله بين أواخر 2026 وبدايات 2027، يُعد من الناحية المبدئية جزءاً من شرعية أي حركة سياسية تطمح للتجديد المؤسسي، إلا أن "بميزان العقل والمنطق" يبدو هذا الحراك وكأنه يغرد خارج سرب الأولويات الراهنة. إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في "من يقود" التنظيم، بل في "كيف تُقاد" الأزمة الإنسانية الحادة التي تعصف بمليوني فلسطيني يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والماء والكهرباء، في وقت بات فيه البقاء على قيد الحياة هو الإنجاز الأسمى.
السكان في غزة يتعرضون لضغوط نفسية واجتماعية هائلة تتجاوز قدرة المجتمعات البشرية على الاحتمال. وأي نقاش سياسي داخلي يتمحور حول المناصب والهياكل التنظيمية بعيداً عن الأولويات المعيشية الطاحنة، يُقرأ شعبياً على أنه نوع من "الانفصام عن الواقع" أو عدم اكتراث بآلام القاعدة الشعبية. إن هذا الانفصال، إن استمر، كفيل بإضعاف الثقة الشعبية بالقيادة، وهي الثقة التي تُعد "رأس المال" الوحيد والدرع الأخير المتبقي في مواجهة مخططات التهجير القسري والتصفية الممنهجة للقضية. السياسة، في نهاية المطاف، لا يمكن أن تكون بمعزل عن أنين الجوعى وصراخ المنكوبين، وإلا تحولت إلى ترفٍ حزبي لا يملكه من يفترشون ركام منازلهم في خيام النزوح المهترئة.
كان بالإمكان، وما يزال، أن تذهب الحركة نحو نموذج "إدارة طوارئ وطنية" شاملة، تشرك فيها كافة مؤسسات المجتمع المدني والكفاءات المستقلة والخبرات التكنوقراطية، لضمان إدارة ما تبقى من موارد بفاعلية وشفافية مطلقة بعيداً عن الحسابات الحزبية الضيقة. مثل هذا النهج لا يُنقص من شرعية الحركة شيئاً، بل يعزز من حضورها كقوة مسؤولة تدرك أن السياسة في زمن الحرب هي "فن حماية الإنسان" أولاً وقبل كل شيء. إن توزيع المساعدات بشفافية، ومحاربة الاحتكار، والضرب على أيدي العابثين بأقوات الناس هو فعل مقاوم بامتياز لا يقل أهمية عن الصمود في الميدان العسكري، بل هو الضمانة الحقيقية والوحيدة لاستمرار ذلك الصمود ومنع المجتمع من التآكل الداخلي.
إنَّ الانتخابات الداخلية، مهما كانت نتائجها وأياً كانت هوية الفائز بمقعد الرئاسة، لن تكون هي معيار النجاح التاريخي للقيادة المقبلة؛ بل المعيار الحقيقي والوحيد هو القدرة على اجتراح معادلة تجمع بين "السياسة الصلبة" في مواجهة الاحتلال، وبين "الإدارة الإنسانية الرشيدة" في رعاية شؤون المواطنين. فالمشروع الوطني الفلسطيني لا يُقاس اليوم بالشعارات الرنانة التي تُلقى من وراء الشاشات، بل بمدى ترجمة تلك الشعارات إلى سياسات واقعية ملموسة تحمي كرامة السكان وتوفر لهم الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة. غزة اليوم ليست مجرد ساحة لاختبار الأسلحة أو تجريب النظريات السياسية، بل هي اختبار أخلاقي وحقيقي لفكرة "القيادة" ومسؤوليتها التاريخية أمام الشعب وأمام ضمير التاريخ.
إنَّ الانشغال بالهياكل التنظيمية والمناصب القيادية في ظل غياب خطوات عملية وجريئة لإدارة الأزمة الإنسانية يخلق فجوة عميقة في الثقة لا يمكن ردمها بالخطابات التعبوية المؤجلة. إن إظهار حساسية عالية تجاه الواقع اليومي المأساوي، مقروناً بخطوات ملموسة على الأرض لإغاثة المنكوبين وتأمين حاجاتهم، هو الكفيل الوحيد بإعادة بناء هذه الثقة وتعزيز الموقف التفاوضي الفلسطيني في مواجهة الضغوط الدولية والإقليمية المتزايدة. السؤال المركزي الذي يبقى معلقاً في فضاء غزة اليوم: هل ستدرك القيادة في الوقت المناسب أن السياسة يجب أن تكون في خدمة المجتمع وحماية بقائه، وليس العكس؟ إن الإجابة عن هذا السؤال، وبشكل عملي يتجاوز الوعود، هي التي ستحدد مسار المرحلة المقبلة، وستحدد قدرة النظام الفلسطيني برمته على الصمود أمام عواصف الحرب ورمال السياسة المتحركة في آن واحد.


