في السنوات الأخيرة تكرّر في بعض الأوساط الجامعية خطابٌ يُلمّح تصريحاً أو تلميحاً إلى أن تخصّص البلاغة والنقد لم يعد من التخصصات التي تخدم سوق العمل. وهذه المقولة، على ما يبدو من وجاهتها الظاهرية في زمن المؤشرات الوظيفية السريعة، تختزل البلاغة اختزالاً مخلاً، وتتعامل معها بوصفها علماً تراثياً معزولاً، لا بوصفها بنية معرفية حية تسري في مفاصل الحياة المعاصرة.
البلاغة في جوهرها ليست علماً لفظياً محضاً، بل هي علم التأثير الإنساني. إنَّها الإقناع، ومنطق التأثير، وفن إدارة المعنى في وعي المتلقي. وحين نُسقط هذا الفهم على الواقع المهني المعاصر، تتكشف لنا شبكة حضورها الواسعة، بحيث يصبح الحديث عن تهميشها أقرب إلى مفارقة معرفية منه إلى حكم موضوعي.
في التسويق الحديث، مثلاً، لا تُباع المنتجات بخصائصها التقنية وحدها، بل تُباع بقصتها، وبالصورة الذهنية التي تُصاغ حولها، وباللغة التي تستثير الرغبة. وتعمل البلاغة بوصفها العقل الخفي للحملات الإعلانية في اختيار الأفعال المحفِّزة، وفي بناء الرسائل المقنعة، وفي صناعة الهوية اللفظية للعلامات التجارية. إن خبير التسويق الناجح يمارس البلاغة كل يوم، وإن لم يسمها بهذا الاسم.
وفي القضاء، حيث تتقاطع الوقائع مع التأويل، تظهر البلاغة في أبهى صورها الحجاجية. فالمرافعة الناجحة ليست سرداً قانونياً جامداً، بل بناءٌ إقناعيّ محكم، يوازن بين قوة الدليل وحسن العرض، ويُحسن ترتيب الحجج، ويقرأ نفسية المتلقي القضائي. ولهذا ظل كبار الفقهاء عبر التاريخ يُعنون ببلاغة الحجاج بقدر عنايتهم بسلامة النص.
أما في السياحة، وهو مجال يتنامى في ظل رؤية المملكة 2030، فإن البلاغة أصبحت أداة استراتيجية لصناعة الجاذبية المكانية. فالمدن اليوم لا تُسوَّق بوصفها جغرافيا، بل بوصفها تجربة مُروية. والصورة السياحية الناجحة هي في جوهرها نص بلاغي متعدد الوسائط، تتآزر فيه الكلمة واللون والإيقاع لبناء رغبة السفر.
وفي خدمة العملاء، تتجلى البلاغة في أبسط صورها التداولية وأكثرها تأثيراً. فعبارة واحدة محسوبة قد تستبقي عميلاً، وأخرى جافة قد تفقد المؤسسة سمعتها. هنا تتحول البلاغة إلى مهارة تواصل يومية، تُدرَّس في كبريات الشركات العالمية تحت مسميات مثل: مهارات الإقناع، والتواصل المؤثر، وإدارة الانطباع.
ولا يقل حضور البلاغة وضوحاً في العلوم السياسية والدبلوماسية. فالتفاوض بين الدول ليس تبادلاً تلقائياً للمصالح، بل هو خطاب محسوب النبرة، دقيق الإيحاء، تُوزن فيه الكلمات بميزان المصالح. والبيانات السياسية الناجحة هي نصوص بلاغية بامتياز، تُبنى على استراتيجيات التلطيف، أو التصعيد، أو الغموض المقصود.
حتى في المجال الرياضي، الذي قد يبدو بعيداً ظاهرياً، نجد البلاغة في خطاب المعلّق الذي يحوّل المباراة إلى تجربة شعورية، وفي خطاب الإدارة الرياضية التي تعبّئ الجماهير، وفي لغة التحفيز داخل غرف الملابس. وكذلك في الإدارة المؤسسية، حيث يُقاس نجاح رئيس النادي في جانب كبير منه بقدرته على الإقناع وبناء القبول، لا بمجرد إصدار الأوامر.
من هنا تبدو الإشكالية الحقيقية ليست في ضعف صلة البلاغة بسوق العمل، بل في طريقة تقديمها أكاديمياً. فحين تُدرَّس البلاغة بوصفها محفوظات مصطلحية معزولة عن تطبيقاتها المعاصرة، فإن الفجوة تتسع بينها وبين الواقع المهني. أما حين تُقدَّم بوصفها علماً للتأثير والتواصل الاستراتيجي، فإنها تتحول إلى مهارة عابرة للتخصصات، مطلوبة في كل قطاع تقريباً.
إنَّ الجامعات السعودية، وهي تمضي بثقة في مواءمة مخرجاتها مع متطلبات المرحلة، مدعوة إلى إعادة تأطير البلاغة لا إلى تهميشها: تحديث مناهجها، ربطها بالتسويق والاتصال المؤسسي، إدخال مقررات تخصصية في البلاغة الرقمية والخطاب الإعلاني والحجاج التفاوضي. فالعالم لا يتجه إلى تقليص علوم التأثير، بل إلى تعظيمها تحت مسميات جديدة.
وأنَّ البلاغة لم تغب عن سوق العمل؛ الذي غاب، أحياناً، هو الاسم فقط. إنها تعمل بصمت في التسويق، وتتكلم في القضاء، وتلمع في السياحة، وتفاوض في السياسة، وتؤثر في الإدارة. ومن يظن أنها علمٌ هامشي، فربما لأنه ينظر إليها في كتب الأمس، لا في ممارسات اليوم.
والرهان الحقيقي، في تقديري، ليس الدفاع العاطفي عن البلاغة، بل إعادة تقديمها بوصفها ما كانت عليه دائماً علماً حياً يصنع الفارق حيثما وُجد إنسان يريد أن يُقنع إنساناً آخر.

