ليست المشكلة في تعاقب الأيام، ولا في تبدّل الفصول، بل في ذلك الوجه الذي يصرّ أن يرى العالم من ثقبٍ ضيّق، ثم يُقنعنا أن الأفق كلّه ضيّق. الوجهُ الأغبر ليس ملامحَ بشر، بل حالةٌ ذهنية، عقلٌ يتغذّى على التعقيد، وروحٌ لا ترى في الأشياء إلا نصفها الفارغ.
الحياة كما أؤمن ليست ساحةً للمتشائمين، بل ميدانٌ لأصحاب البصيرة. غير أن بعضهم إذا ضاقت به الحُجّة، وسقط عنه المنطق، ارتدى عباءة "الزمن الرديء" ليُبرّر عجزه. يختبئ خلف عباراتٍ كبيرة، ويصنع من كل تفصيلٍ أزمة، ومن كل اختلافٍ خصومة، وكأن مهمته في هذا الوجود أن يُربك الإيقاع لا أن يُتقنه.
في المجتمع الواعي، لا يدوم هذا المشهد طويلاً، لأن الناس بفطرتهم يفرّقون بين من يعالج المشكلة، ومن يعيش عليها، بين من يحمل همّ الإصلاح، ومن يحمل همّ الظهور. الوجه الأغبر قد يعلو صوته لحظة، لكنه لا يصنع أثراً. الضجيج لا يبني، والتشاؤم لا يقود، والعُقد لا تُحلّ بتعقيدٍ أكبر.
إن أخطر ما في هذا الوجه أنه يُزيّف الإحباط على أنه واقعية، ويقدّم الانغلاق على أنه ثبات، ويخلط بين الحزم والقسوة. بينما الحقيقة أبسط من ذلك: الاتزان فضيلة، ورحابة الخلق قوة، والمنطق لا يحتاج إلى صراخٍ ليثبت نفسه.
علّمتني التجارب أن المجتمعات لا تُنهكها التحديات بقدر ما يُنهكها صُنّاع الإحباط وتشاؤمهم. أولئك الذين إذا أشرقت نافذة أغلقوها، وإذا لاح أملٌ شكّكوا فيه، وإذا نجح مشروعٌ قلّلوا من شأنه. هم لا يقفون ضد الفكرة، بل ضد الروح التي تمنحها الحياة.
لكن الزمن، على عكس ما يظنون، ليس أغبر. الزمن محايد، يمنح كلَّ ذي نيةٍ نصيبه، ويكشف مع الوقت جوهر الوجوه. من حمل الخير اتّسع أثره، ومن حمل الغبار عاد به إلى نفسه. فالحياة لا تُجامل أحداً طويلاً، ولا تحفظ القناع إلى الأبد.
يبقى الخيار لنا:
إمّا أن نكون امتداداً لوجهٍ يضيف للنور نوراً، أو أن ننجرّ خلف وجوهٍ اعتادت أن ترى في كل صباحٍ غروباً مبكراً.

