: آخر تحديث

صيام الجسد.. انبعاث للروح

1
1
0

لطالما رأى الفلاسفة في الصيام وسيلة لاستعادة السيطرة على الذات؛ يقول الفيلسوف الرواقي سنيكا: "مارس الفقر لعدة أيام؛ البس ثياباً خشنة، وتناول خبزاً يابساً وماءً، واسأل نفسك: هل هذا ما كنت أخشاه؟" هذا "الحرمان الإرادي" ليس تعذيباً للذات، بل هو كسر لقيود العادة، وفي علم النفس الحديث، يُعرف هذا بـ"إعادة ضبط نظام الدوبامين"، فعندما نتوقف عن الاستجابة الفورية لشهواتنا، نبدأ في استعادة لذة الأشياء البسيطة التي فقدناها في ضجيج الاستهلاك الحديث.

يرى علماء النفس أن الصيام يمنح الإنسان شعوراً بـ"الوكالة" (Agency)، أي القدرة على التحكم في الرغبات بدلاً من الانقياد لها. يؤكد عالم النفس ويليام جيمس في كتابه "أصناف الخبرة الدينية" أن التقشف الإرادي يفتح أبواباً للوعي لا يمكن ولوجها في حالة الشبع التام.

من الناحية البيولوجية-النفسية، يؤدي الصيام إلى زيادة مستويات هرمون BDNF (عامل التغذية العصبية المشتق من الدماغ). هذا البروتين لا يحمي الخلايا العصبية فحسب، بل يعمل كمضاد طبيعي للاكتئاب والقلق. إن حالة "الخفة" التي يشعر بها الصائم بعد تجاوز الساعات الأولى من الجوع ليست وهماً، بل هي كيمياء دماغية تحاول تحسين الأداء الذهني لضمان البقاء.

في عمق التجربة الروحية؛ يعمل الصيام كمجهر يسلط الضوء على "الأنا"، يقول عالم النفس الوجودي فيكتور فرانكل: "بين المثير والاستجابة توجد مساحة، في تلك المساحة تكمن قوتنا وحريتنا."، فالصيام هو توسيع لتلك المساحة، عندما يثور نداء الجوع (المثير)، ويختار الصائم عدم الأكل (الاستجابة المؤجلة)، فإنه يمارس أقصى درجات الحرية الإنسانية.

لا تقتصر الفوائد على الجانب البدني؛ ففي عصرنا الحالي نحن بحاجة إلى "صيام معرفي"، الازدحام المعلوماتي يسبب تشتتاً مزمناً، والصيام عن الطعام يرافقه سكون وصمت، مما يمنح الدماغ فرصة لمعالجة المشاعر المكبوتة. يقول الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه: "الصيام هو الوسيلة التي تجعل الروح أكثر حدة، والجسد أكثر طاعة".

علاوة على ذلك، يبرز مفهوم "الالتهام الذاتي" (Autophagy) الذي نال عنه العالم يوشينوري أوسومي جائزة نوبل، كجسر مذهل بين البيولوجيا والسيكولوجيا، فحين يصوم الجسد، يبدأ في تنظيف نفسه من النفايات الخلوية، وهو ما ينعكس فوراً على صفاء الذهن؛ وكأن الخلايا تعيد ترتيب بيتها الداخلي لتفسح مجالاً للإدراك العميق. يقول الفيلسوف أفلاطون: "أصوم لكي أصل لفعالية ذهنية وجسدية أكبر".

إن الصيام في الثقافات الإنسانية ليس مجرد طقس ديني، بل هو ضرورة سيكولوجية لاستعادة التوازن. إنه يذكرنا بأننا لسنا مجرد آلات بيولوجية تستهلك، بل كائنات تمتلك إرادة قادرة على قول "لا" للغريزة من أجل "نعم" أسمى للروح والعقل. في نهاية المطاف، نحن لا نصوم لنفرغ أمعاءنا، بل لنملأ أرواحنا. إنها الرحلة من ضجيج الأفواه إلى صمت القلوب، حيث نكتشف أن أقصى درجات الشبع تكمن في القدرة على التجرد.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد