: آخر تحديث

العدالة السياسية... الأمس واليوم

2
3
3

التراث العربي مملوء بالحديث عن العدالة، لكن مفهومها القديم يختلف قليلاً عن نظيره السائد في عالم اليوم. يتلخص مفهوم العدالة التراثي في أمرَين: عدالة القاضي في إصدار الأحكام، وعدالة الحاكم في المساواة بين أفراد الرعية. والحق أن الرسالة الضمنية في كل من هذَين المسارَين، تمثّل جوهر فكرة العدالة، أي سيادة القانون والمساواة.

لم يعد العالم بسيطاً كما كان الحال في الماضي. لا القاضي يصدر حكمه بناءً على كلام الخصمَين، ولا رئيس البلد يديرها من ديوانه، كما يقولون، بل بواسطة جهاز الدولة الذي تعاظم حجمه وتضخم، حتى أصبح أكبر منظمة منفردة في أي بلد. بعبارة أخرى، فإن كلا الجهازَين، القضاء والحكم، ما عاد قائماً بشخص القاضي أو الحاكم، بل يعتمدان على منظومة القضاء ومنظومة الدولة بأسرها. ومن هنا فإن سلامة النظام القانوني وطريقة ممارسة السلطة أو تنفيذ السياسات والأحكام هي محور مفهوم العدالة في العصر الحديث، وليس شخص القاضي أو الحاكم. ويطلق على هذا عنوان عام هو «العدالة الإجرائية» ويُعنى به توافق الإجراءات الإدارية مع معايير العدالة.

هذا يثير -بطبيعة الحال- سؤالاً مشروعاً عن مفهوم العدالة المقصود هنا. السؤال ضروري، لأن العدالة قد تُفهم على أنحاء مختلفة عند الفلاسفة وعند عامة الناس. وقد أشرت في مقال الأسبوع الماضي إلى «العدالة التوزيعية» بوصفها جوهر عمل الدولة وغايتها الكبرى. وسوف أشرح بإيجاز المقصود بهذا العنوان. لكن قبل ذلك يهمني الإشارة إلى 3 عوامل في غاية الأهمية عند النقاش في موضوع العدالة، لا سيما في الإطارَين السياسي والاجتماعي:

العامل الأول هو أن القيام بالعدل في المعنى المتعارف اليوم، مشروط بوجود نظام اجتماعي متوازن، ونظام إداري قادر على تنفيذ التزاماته، أي «مجتمع حسن التنظيم»، حسب تسمية جون رولز.

العامل الثاني هو توفر مستوى معقول من مصادر العيش، يكفي جميع السكان.

أما العامل الثالث فهو السلام الاجتماعي، بمعنى كون الوضع في البلاد طبيعياً، من سيادة القانون، إلى عدم كون البلاد في حالة غزو خارجي أو حرب أهلية، أو كارثة طبيعية أو مجاعة أو انهيار اقتصادي. فحين يكون الوضع متدهوراً، لأي سبب من هذه الأسباب، فإن إقامة العدل ستكون على المحك ولن تكتمل أبداً.

حين تتوفر هذه العوامل -وهي متوفرة فعلاً في معظم البلدان- يمكن إقامة العدل، بمعنى وضع القوانين واللوائح والسياسات التي تحول النظام العام إلى نظام عادل.

قلت إن مفهوم العدالة ليس واحداً عند جميع الناس. لكن المفاهيم كافّة من دون استثناء تنطلق من قاعدة المساواة بين الناس، ثم تزيد شيئاً أو تنقص شيئاً، كي تلبي مطالب موازية ذات قيمة، أو تحقق قيماً في المستوى نفسه، مثل قيمة التكافل التي تعني مساعدة الشرائح العاجزة عن تدبير نفسها، ولو بزيادة حصتها عما يحصل عليه الآخرون، كما نفعل حين يمرض أحدنا، فيحصل على علاج مكلف جداً، لا يحصل عليه الأصحاء، ومع ذلك لا يعارضون هذا التمييز. كذلك الحال بالنسبة إلى الأطفال الذين نُنفق عليهم أكثر مما نُنفق على البالغين الذين يعملون وينفعون البلاد فعلاً، لأننا نعلم أن استمرار الحياة في المجتمع رهن بمنح الأطفال معاملة تمييزية، حتى يشتد عودهم فينفقون على غيرهم، كما فعلنا معهم.

تنطلق العدالة إذن من قاعدة المساواة، وهي تعديل عليها وليست بديلاً عنها.

حسناً، ما الذي نتساوى فيه؟ الجواب: هو توزيع الإمكانات المادية (الثروة)، وفتح الباب للجميع للوصول إلى الوظائف والمعلومات والمكانة الاجتماعية. هذا لا يعني توزيع المال على الناس، بل جعل النظام الاجتماعي والاقتصادي مفتوحاً ومولداً للفرص. هذه هي العتبة التي يعبرها جميع الناس، ثم يجتهدون ويتنافسون، فينال بعضهم كثيراً وينال غيرهم قليلاً. وهذا هو التحقق المنطقي لمفهوم العدالة التوزيعية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد