: آخر تحديث

محاولة عيش

3
3
4

عنوانُ المقال مستعارٌ من رواية الروائي المغربي محمد زفزاف "محاولة عيش" الصادرة عام 1985 عن المركز الثقافي العربي، والتي لخّصت تراجيديا الإنسان المهدور وهو يتدرّب على الحياة كما لو كانت حصةً إضافية في مدرسة الغياب.

يبدو أننا، كما يقترح الفيلسوف الفرنسي فرانسوا جوليان، لا نعيش الحياة، بل نقيم في نسختها التجريبية. نسخة "ديمو" مجانية، محدودة الصلاحيات، تتيح لك أن تتنفس وتعمل وتبتسم في الصور، لكنها لا تمنحك حق الولوج إلى الجوهر. نعيش كما لو أننا نؤدي دور "شخص حيّ"، بينما الحياة الحقيقية تقف خلف الزجاج، تلوّح لنا بابتسامة ساخرة.

جوليان يقول إننا مشدودون إلى مظهر الحياة بحبلٍ متين، وأن مهمة الفيلسوف، وربما المفكر الذي لم يدفع إيجار الشهر، أن يقطع هذا الحبل. أن يفضح الخدعة. أن يهمس في أذننا: "عذراً، ما تعيشه ليس أنت".

ألبير كامو كان أكثر صراحة حين قال: "المشكلة الفلسفية الوحيدة الجدية هي الانتحار." لكنه لم يكن يدعو إلى الموت، بل إلى مساءلة هذا العيش الباهت الذي يشبه موتاً بالتقسيط. أما نيتشه فكان يصرخ: "عِشْ حياتك كما لو أنك ستعيدها إلى الأبد." فهل نجرؤ؟ هل نقبل أن نعيد هذا الروتين الأبدي من الاستيقاظ على منبه لا نحبه، والعمل فيما لا نحب، وانتظار عطلة لا تغيّر شيئاً؟

الحياة، في معناها الذي يقترحه جوليان، ليست "حياة سعيدة"، ولا "حياة ناجحة"، ولا حتى "حياة جميلة". كل هذه صفات نعلّقها عليها كما نعلّق الأوسمة على صدر جندي مجهول. الحياة الحقيقية لا تحتاج إلى نعت. إنها ماء، كما يقول: لا لون له، لكنه يكشف كل الألوان. أما نحن فنصرّ على صبغه بلون الرضا، أو النجاح، أو الطمأنينة، ثم نستغرب حين يبهت.

العيش حوّلناه إلى دخولٍ دائم في القوالب: قالب الوظيفة، قالب الدور الاجتماعي، قالب "ما ينبغي". سقراط شبّه الحياة ببرميل مثقوب؛ تمتلئ وتفرغ في آن واحد. أما نحن فنطالبها بالامتلاء الدائم، ثم نرفع ضدها دعوى قضائية حين تتسرب من بين أصابعنا.

إيميل سيوران كتب بسخريته السوداء: "نولد متعبين، ونعيش لنرتاح." كأن الحياة استراحة طويلة بين تعبَين. لكن جوليان يقترح شيئاً آخر: أن نتعلّم العيش في التوتر بين الامتلاء والفراغ، لا أن نهرب من أحدهما إلى الآخر. أن نقبل أن الحياة ليست كمشروعٍ للإنجاز، بل كتجربةٍ للانكشاف.

المأساة، كما فهمها محمد زفزاف، ليست في الموت، بل في الهدر. في أن تعيش حياة ليست لك. أن تكون، بتعبير كارل ماركس، مغترباً؛ لا عن عملك فقط، بل عن ذاتك. أن تستيقظ يوماً فتجد أن شخصاً آخر عاش باسمك. سار في شوارعك، أحبّ بلسانك، ووقّع العقود بتوقيعك، بينما أنت كنت مؤجَّلاً.

هايدغر سمّى ذلك السقوط في الـ"هم". أن نعيش كما يعيش الناس. أن نفكر كما يفكر الناس. أن نموت كما يموت الناس. لا أحد يعرف من هم "الناس"، لكننا نطيعهم بإخلاص.

نحن نمتلك الأشياء كي نشعر أننا نمتلك الحياة، لكن، كما حذّر إريك فروم، يتحول الامتلاك إلى شكلٍ من أشكال الامتلاك المضاد: نصير نحن المملوكين. نشتري الهاتف الجديد، فيشتري انتباهنا. نشتري المنزل، فيشتري أعمارنا أقساطاً.

نؤدي مسرحية كتبها آخرون. ربما كتبها الخوف. ربما كتبها الطموح. وربما كتبها ذلك الصوت الخافت الذي يقول: "لا تخاطر." فنصفق لأنفسنا على أداءٍ متقن، بينما المقاعد فارغة.

الحياة الحقيقية لا تبدأ إلا حين نرفض هذا الهدر. حين نقول "لا" لما اعتدناه. ليس رفضاً أخلاقياً متعالياً، بل رفضاً استراتيجياً، كما يسميه جوليان. انحرافاً بسيطاً عن المسار العام. خطوة جانبية. التفاتة صغيرة.

كيركغارد قال: "القلق هو دوار الحرية." ربما لهذا نفضّل السجن المألوف على الحرية المرتبكة. الحرية تجعلنا مسؤولين عن حياتنا. عن اختيارنا أن نحيا، لا أن نُحيا.

لا أحد يستطيع أن يعلّمنا العيش. يمكنهم أن يعلّمونا الاقتصاد، والبرمجة، وآداب المائدة، وحتى كيفية التأمل في عشر خطوات سهلة. لكن العيش؟ تلك حرفة شخصية. مغامرة فردية. كما قال ريلكه: "عِش الأسئلة الآن." لا تبحث عن الإجابات الجاهزة، بل اسكن القلق.

الحياة الحقيقية تولد في المسافة بين الحياة والموت. في إدراك أن الموت قادم، لا ليهددنا، بل ليوقظنا. مونتين كان يقول: "أن تتفلسف هو أن تتعلم كيف تموت." وربما أيضاً كيف تحيا قبل ذلك.

أن نقول "لا" للا-حياة هو أن نقول "نعم" للحياة. نعم للشعر، لأنه، كما لمح جوليان، وحده قادر على التقاط الغائب في الحاضر. محمود درويش كتب: "على هذه الأرض ما يستحق الحياة." لم يقل إن الحياة كاملة. قال إنها تستحق أن تُعاش.

في النهاية، ليست "محاولة العيش" شعاراً تحفيزياً يُطبع على كوب قهوة. إنها اعتراف بالفشل اليومي في أن نحيا كما ينبغي، وإصرار عنيد على المحاولة من جديد. أن نجرّب. أن نخطئ. أن ننحرف. أن نحب. أن نكتب سطراً مختلفاً عن الجموع.

الحياة ليست هناك، في مكان آخر. ليست فيما هو مؤجل، ولا في المستقبل المؤمَّن، ولا في السيرة الذاتية اللامعة. إنها هنا، في هذا التوتر، في هذا القلق، في هذا السؤال المفتوح.

فهل نكتفي بدور الكومبارس في مسرحية العالم، أم نجرؤ، ولو بسخرية مرّة، أن نحاول العيش؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في كتَّاب إيلاف