: آخر تحديث
حين تسبق الشهرة الحقيقة:

لماذا تفشل إعلانات المشاهير في إقناع المتلقي؟

3
3
2

ظاهرةُ إعلانِ المشاهير لم تعد مجرد أداة تسويق، بل تحوّلت إلى صناعةٍ قائمةٍ بذاتها، تتغذّى على الصورة أكثر مما تتغذّى على الفكرة، وعلى البريق أكثر مما تعتمد على البرهان. غير أن السؤال الذي يتردد في أذهان كثير من المتلقين اليوم: لماذا لم تعد إعلانات المشاهير مُقنعةً كما كانت؟ ولماذا أصبح الجمهور يشاهد الإعلان بعين الشك لا بعين الرغبة؟

المشكلة لا تكمن في المشهور بحد ذاته، بل في طريقة توظيفه. فالمتلقي المعاصر لم يعد ساذجاً، ولم يعد يُسلِّم بأن المنتج جيد لمجرد أن فناناً أو لاعباً أو مؤثراً ابتسم وهو يمسك به. نحن نعيش في عصر الوعي الرقمي؛ حيث تُقرأ التفاصيل، وتُفكَّك اللقطات، وتُفحَص النوايا. حين يظهر المشهور في إعلانٍ لمنتجٍ لا يشبه نمط حياته، ولا ينسجم مع صورته الذهنية، تنكسر المصداقية فوراً. كأن ترى رياضياً محترفاً يروّج لوجبةٍ سريعةٍ لا تتوافق مع نمط التغذية الذي يبني به جسده؛ هنا يفهم المتلقي أن العلاقة ليست قناعةً بل عقداً إعلانياً.

البلاغة الإعلانية الناجحة تقوم على المطابقة بين القائل والمقول. في التراث البلاغي العربي، كان شرط التأثير أن يكون المتكلم موثوقاً، وأن يكون السياق مناسباً. أما اليوم فكثير من إعلانات المشاهير تُبنى على الانتقال الفجائي من صورةٍ إلى أخرى، دون جسرٍ إقناعي. فيتحول الإعلان إلى مشهدٍ تمثيليٍّ مكشوفٍ، لا يحمل روح التجربة ولا صدق التوصية.

ثم إن التكرار المفرط أضعف القيمة. حين يروّج المشهور لخمسة منتجاتٍ في أسبوعٍ واحدٍ، يفقد الجمهور الإحساس بخصوصية الاختيار. يصبح كل شيءٍ مفضلاً لديه، وكل منتجٍ الأفضل على الإطلاق، حتى تتساوى العبارات وتفقد معناها. ويحدث ما يمكن تسميته بتضخم الثناء، حيث تكثر الأوصاف حتى تفرغ من مضمونها.

ولا يمكن إغفال أثر الشفافية. المتلقي اليوم يعرف أن الإعلان مدفوع، ولا يعترض على ذلك من حيث المبدأ، لكنه يبحث عن حدٍّ أدنى من الصدق، تجربةٍ شخصيةٍ حقيقيةٍ، مقارنةٍ موضوعيةٍ، اعترافٍ بالسلبيات قبل الإيجابيات. إن غياب هذه العناصر يجعل الإعلان يبدو كأنه خطابٌ فوقيٌّ، لا حوار فيه ولا مشاركة.

الإقناع ليس صراخاً، ولا استعراضاً للترف، ولا تكراراً لعباراتٍ محفوظةٍ. الإقناع بناءٌ هادئٌ للثقة. والمشهور مهما بلغت شهرته لا يستطيع أن يشتري ثقة الجمهور إن لم يقدّم سبباً عقلياً وعاطفياً معاً. فالجمهور لا يشتري المنتج لأنه أحب المشهور، بل لأنه اقتنع بأن المنتج يلبي حاجةً حقيقيةً.

إن إعلان المشاهير يحتاج إلى مراجعة فلسفته من استعارة الشهرة إلى استثمار المصداقية، ومن صورةٍ براقةٍ إلى قصةٍ واقعيةٍ، ومن أداءٍ تمثيليٍّ إلى تجربةٍ صادقةٍ. فحين يشعر المتلقي أن الإعلان يحترم وعيه، يمنحه انتباهه. أما إذا شعر أنه يُستغفل، فإنه يبتسم ويمر دون أن يشتري.

الشهرة قد تجلب الانتباه، لكنها لا تضمن الإقناع. والإقناع في نهاية الأمر هو رأس المال الحقيقي لأيّ إعلان.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.