لم يشهد البرلمان اللبناني عراكاً بالأيدي كالذي حدَث على سبيل المثال في البرلمان التركي وإحتدم التلاكم بحيث إستعصى على المشاهد عبْر الفضائيات مَن هو الصافع مِن النواب ومَن هو المصفوع ومَن المدمَّى جبينه بفعل صفعة شديدة من زميل له، وذلك لأن المتصافعين كانوا كثرة ولا سبيل لثنيهم بالحُسنى عما يفعلون. لكن البرلمان اللبناني يعيش بين جلسة إنعقاد وجلسات، جولات مِن العراك اللساني، الذي لبعض عبارات التخاطب أذى في الأصول كتلك الإيذاءات التركية في الوجوه والأصول معاً.
قد نجد من لا يستغرب حدوث مثْل هذا التعارك كون كل من البرلمانيْن تستأثر الحزبية فيه وبحيث يأتي كل عضو في هذا البرلمان أو ذاك ناقلاً إلى ساحة المنازلة المصونة بالديمقراطية ليقول ما يراه الحزب المنتمي إليه أو ليضع العراقيل في مشروع قرار يسعى الحزب الند إليه. وحيث أن المستقلين قلة بالمفهوم الموضوعي لإستقلالية التعبير عن الموقف، فإن النزال وفي صيغة جولات كلامية يأخذ مداه إلى التعارك أحياناً بالأيدي على النحو التركي أو التعارك بأفظِّ التخاطب أحياناً على النحو الذي طالما تابعه اللبنانيون يجري في بعض جلسات برلمانهم.
ومع أن هنالك قوانين لكل برلمان ليس من ضِمنه هواية التعارك يدوياً أو كلامياً، فإن المناط بهم، أي أعضاء البرلمان، صون القوانين والإلتزام بها، يتصرفون وكما هم مثْل الذين في أيديهم القفازات لتبدأ الملاكمة.
عاش لبنان دهراً من التطور الذي أثمر برلماناً كسائر برلمانات الدول مِن حيث لكل دولة برلمان. وتنوعت التسميات له في ظل الإنتداب الفرنسي بحيث تناوب على رئاسته من العام 1922 وحتى العام 1937 ثمانية سياسيين مسيحيين يمثِّلون الطائفتيْن المارونية والأرثوذكسية وإثنان يُمثلان الطائفة السُنية، قبْل أن يتم الأخذ مطلع الخمسينات بتقاسم المناصب السيادية وتثبيتها، وتم التوافق على أن يكون رئيس البرلمان من الطائفة الشيعية ونائب رئس مجلس النواب من الطائفة الأرثوذكسية. وحدَث نوع من التوافق على أن يتقاسم المنصب السيادي الثاني شيعة الجنوب (أحمد الأسعد. عادل عسيران. كامل الأسعد)، وصولاً إلى نبيه بري حالياً، وشيعة منطقة بعلبك – الهرمل (صبري حمادة – حسين الحسيني). وهذه "الكوتا" المناطقية شهدت تبدلاً جذرياً منذ أن تولى نبيه بري رئاسة البرلمان يوم 22 أكتوبر/ تشرين الأول 1992 وما زال بعد الغلبة على حسين الحسيني الذي إقتصرت رئاسته للمجلس على ثماني سنوات مقابل 34 سنة مستمرة ﻟ نبيه بري . هنا وفيما بري على الحيوية التي هو عليها ويمتلك المرجعية السياسية ﻟ "حزب الله" إلى جانب زعامته المستقرة ﻟ "حركة أمل" نأخذ في الإعتبار أن منطقة بعلبك - الهرمل التي حصة "حزب الله" فيها وازنة لا زعامة سياسية فيها من شأنها خوض السباق الآتي لرئاسة المجلس النيابي، خصوصاً بعدما إحتكر صبري حمادة الرئاسة في بعض سنوات الخمسينات والستينات والسبعينات خمس مرات بلغت ثماني عشرة سنة، الأمر الذي ييسر للرئيس بري الفوز المحتمل وبذلك يسجل رقماً أكثر من قياسي في الترؤس قياساً بزعامات جنوبية توالت على ترؤس المجلس (أحمد الأسعد 8 سنوات، عادل عسيران 6 سنوات، كامل الأسعد دورتان قصيرتا المدى ودورة طويلة 14 سنة). وهكذا فإن كل الذين سبقوه في الترؤس باتوا في ذمة الله، وهذا يعني أن لاورثة سياسية شيعية لهم يمكنهم منازلته، لكن هنالك الطيف المسيحي الماروني في حال وحَّد الصفين أن يفوِّت على نبيه بري الحلم الذي راود الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران وهو أن يرحل عن الدنيا رئيساً وليس سابقاً.
بلغ العراك الكلامي في البرلمان اللبناني ذروته في شأن إقتراع اللبنانيين المغتربين، وكأنما هؤلاء في تسيير أمر مشاركتهم في الإنتخابات المزمع إجراؤها ليسوا من أبناء الوطن، ولكنها الخشية من أن تميل كفة ميزان إقتراعهم إلى ورقة في التحديات حول مَن سيتولى رئاسة البرلمان لاحقاً. ثم إن المستجد يتمثل في رأي أكثر من سفير أجنبي يرى التأجيل هدوءاً لإجراء الإنتخابات يبقى أفضل من الإجراء الذي يؤسس لصراعات قد تنتج تلاكماً كما الذي حدَث في البرلمان التركي.
ليس العراك الكلامي ، إلى جانب التحليق في أجواء ترؤس البرلمان الآتي هو القضية الوحيدة المطروحة في أروقة البرلمان اللبناني، إذ هنالك وتحت وطأة الأزمة المالية الصعبة التي تعيشها الموازنة التي تغذيها في حالات نخوية إستثنائية هبة أخ عربي وبعص الهبات المتقطعة من دول صديقة، مطالب شعبية حول وقْف مرتبات أعضاء المجلس النيابي بغرض ترميم الحالة المالية المتأزمة التي إقتبس رئيس الحكومة نوَّاف سلام بعض مناحي الأسلوب الضرائبي الذي وضعه الرئيس ترمب قيد التنفيذ، غير آخذ في الإعتبار إعتراضات دستورية ودور في هذا الشأن للكونغرس الذي ما زال وقوف أعضائه مع التصفيق ترحيباً مستهجَناً بزيارة نتنياهو للمقر ماثلة في الأذهان.. إلا إذا إرتأى البرلمان اللبناني الأخذ بالعلاج المتدرج للوضع اللبناني الإقتصادي والمعيشي، وهذا يتم في حال تناهى إلى اللبنانيين ذات يوم من برلمانهم الآتي أن بعض أعضائه إلتقوا بترحيب أكثرية زملائهم على صيغة قرار في شأن الفساد المتراكم وتسمية الأمور بأسماء الفاسدين أو الذين يشكِّلون الستار الواقي قضائياً للذين بسبب تراكم الفساد بات لبنان على مشارف العوز.. لا قدَّر الله.
يبقى القول إن هذه السطور قراءة في حالة بالغة الغرابة والتعقيد، أدلى رموز الحُكْم اللبناني برئاساته الثلاث من أطراف ألسنتهم الكلام والوعود التي تَبين أنها لا تجيب عما في صدر المواطن اللبناني من إحتقانات، ولعله يرتأي إرجاء إثبات جدارته في الإعتراض بعد أن يستقر الجدال في شأن الإنتخابات البرلمانية على حال مستقيمة.. في حال أن أمر إجرائها سيُحسم ولن يؤخذ بإيحاءات أميركية – عربية ترى السلامة في تأجيلها ويسلك الموضوع المستعصي حله، أي السلاح، طريق الإقتناع بأن لبنان المستقر المتآخي الذي لا موجب للعراك الكلامي في برلمانه كما لا موجب لتطوير الحدة إلى تعارك بالأيدي كالذي حدَث في البرلمان التركي.. هو الوطن المنشود.

