: آخر تحديث

من نهرو إلى مودي: لماذا انحازت الهند إلى إسرائيل؟

3
3
3

 

عندما أعلن رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، في زيارته مؤخرًا لإسرائيل (الأربعاء 25 فبراير 2026)، وقوف بلاده "بثبات" إلى جانب إسرائيل، بدا المشهد صادمًا لكثيرين في العالم العربي. فالدولة التي كانت، لعقود، أحد أبرز المدافعين عن الحقوق الفلسطينية داخل الأمم المتحدة، والشريك السياسي للعالم العربي ضمن معسكر الجنوب، أصبحت اليوم شريكًا استراتيجيًا لإسرائيل في مجالات الدفاع والتكنولوجيا والاستخبارات.

هذا التحول اللافت لم يكن مفاجئًا وليد اللحظة، بل هو نتاج تراكمات تاريخية وأسباب عميقة، نتيجة مسار طويل من إعادة التموضع الجيوسياسي، يعكس انتقال الهند من دولة أيديولوجية إلى قوة براغماتية تسعى إلى تعظيم مصالحها. ويمكن حصر أسباب هذا التغير في ثلاثة محاور رئيسية: التحول من الإرث الأيديولوجي لحركة عدم الانحياز، مرورًا بعوامل التحول الداخلية والخارجية منذ نهاية الحرب الباردة، وصولًا إلى مظاهر الشراكة الاستراتيجية القائمة اليوم.

أولًا: الإرث التاريخي... نهرو وحركة عدم الانحياز

لفهم هذا التحول، لا بد من العودة إلى الجذور التاريخية للسياسة الخارجية الهندية. بعد الاستقلال، قاد رئيس الوزراء الأول جواهر لال نهرو توجهًا قائمًا على دعم حركات التحرر ومناهضة الاستعمار، وهو ما انعكس في موقف قوي داعم للقضية الفلسطينية، ومعارضة تقسيم فلسطين عام 1947، ورفض إقامة علاقات كاملة مع إسرائيل لعقود. جاء ذلك ضمن رؤية أوسع تشكلت مع الرئيس المصري جمال عبد الناصر والرئيس اليوغوسلافي جوزيف بروز تيتو في إطار حركة عدم الانحياز، التي سعت إلى بناء كتلة سياسية مستقلة عن الاستقطاب الدولي خلال الحرب الباردة.

لكن هذا الموقف لم يكن أخلاقيًا فقط، بل استند إلى حسابات واقعية أيضًا، منها اعتماد الهند الكبير على النفط العربي، ووجود أقلية مسلمة ضخمة داخلها، إضافة إلى تحالفها الوثيق مع الاتحاد السوفيتي، الذي كان بدوره داعمًا رئيسيًا للعرب. لذلك لم يكن غريبًا أن تعترف الهند مبكرًا بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلًا شرعيًا للفلسطينيين، وأن تصوت باستمرار لصالح القرارات المؤيدة لفلسطين في الأمم المتحدة طوال عقود.

ثانيًا: عوامل التحول... نهاية الحرب الباردة وصعود القومية الهندوسية

التحول الحقيقي بدأ مع نهاية الحرب الباردة. فقد شكّل انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 زلزالًا استراتيجيًا للهند، التي فقدت حليفها العسكري والسياسي الرئيسي، وتزامن ذلك مع أزمة اقتصادية حادة كادت تقود البلاد إلى الإفلاس. في تلك اللحظة التاريخية، اضطرت نيودلهي إلى إعادة صياغة سياستها الخارجية والاقتصادية معًا، فتبنت إصلاحات ليبرالية، وانفتحت على الغرب، وأقامت عام 1992 علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل، في خطوة مثّلت بداية انتقال تدريجي من سياسة التضامن الأيديولوجي إلى سياسة التمكين الاستراتيجي.

ترافق هذا التحول مع عامل داخلي مهم تمثل في صعود التيار القومي الهندوسي إلى السلطة، وخاصة في عهد رئيس الوزراء ناريندرا مودي. هنا اكتسب التقارب مع إسرائيل بعدًا أيديولوجيًا إضافيًا؛ إذ ترى بعض النخب السياسية في الهند تشابهًا بين تجربة الدولة القومية اليهودية وتجربة القومية الهندوسية، باعتبار كل منهما مشروعًا حضاريًا يواجه تهديدات أمنية محيطة. كما أن التعاون الأمني بين البلدين تعزز بفعل ما تعتبره الهند تهديدًا مشتركًا يتمثل في الإرهاب العابر للحدود، خصوصًا في ظل صراعها الطويل مع باكستان في كشمير.

ثالثًا: مظاهر الشراكة الاستراتيجية... المصالح الجيوستراتيجية والتحالفات الجديدة

لا يمكن فهم التحول في الموقف الهندي دون إدراك التحول في مكانة الهند نفسها. فالهند اليوم دولة نووية منذ عام 1998، وخامس أكبر اقتصاد عالمي، وقوة عسكرية صاعدة، ومنافس استراتيجي للصين في آسيا. والدول الصاعدة تاريخيًا تميل إلى إعادة صياغة تحالفاتها وفق مصالحها، لا وفق إرثها الأيديولوجي. من هذه الزاوية، يبدو التقارب مع إسرائيل جزءًا من استراتيجية أوسع لتعزيز القدرات التكنولوجية والعسكرية الهندية.

▪ الشراكة الدفاعية والأمنية:

منذ التسعينيات، بدأت العلاقات تتطور بسرعة، خصوصًا في المجال العسكري. وتشير بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) إلى أن الهند أصبحت أكبر مستورد للسلاح الإسرائيلي، حيث استحوذت على نحو 41٪ من صادرات السلاح الإسرائيلية خلال الفترة بين 2017 و2021. تركزت المشتريات على التكنولوجيا المتقدمة مثل صواريخ "باراك-8" المشتركة، وأنظمة الرادار والدفاع الجوي. وقد وجدت الهند في إسرائيل شريكًا يفهم هواجسها الأمنية تجاه باكستان وكشمير، مقابل دعم إسرائيلي واضح.

▪ الشراكة الاقتصادية والتكنولوجية:

ارتفع حجم التجارة الثنائية مع إسرائيل من أقل من 200 مليون دولار في أوائل التسعينيات إلى أكثر من 10 مليارات دولار سنويًا في السنوات الأخيرة، مع توسع التعاون في مجالات الأمن السيبراني، والزراعة المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، والطائرات المسيّرة. وتتعاون الدولتان في مشروعات ضخمة مثل الممر الاقتصادي الهند - الشرق الأوسط - أوروبا (IMEC)، حيث تسعى إسرائيل إلى دمج ميناء حيفا (الذي تديره شركة هندية) في هذا الممر لربط الهند بأوروبا. كما يمتد التعاون ليشمل مجالات المياه، والفضاء، والتكنولوجيا النظيفة.

التحول الدبلوماسي وإدارة التوازن مع العالم العربي:

تحولت الهند من أشد المنتقدين لإسرائيل إلى صوت محايد أو متعاطف معها في المحافل الدولية، مثل امتناعها عن التصويت على قرارات تدين إسرائيل في الأمم المتحدة، وموقف مودي الواضح والداعم بعد السابع من أكتوبر. ورغم كل ذلك، لم تتخلَّ الهند رسميًا عن دعم حل الدولتين أو إقامة دولة فلسطينية مستقلة. لكنها، ببساطة، لم تعد ترى القضية الفلسطينية أولوية استراتيجية مقارنة بمصالحها الأمنية والاقتصادية الكبرى.

واللافت أن هذا التقارب الكبير مع إسرائيل لم يدفع الهند إلى خسارة علاقاتها مع العالم العربي. بل على العكس، نجحت في بناء توازن دقيق بين الطرفين. فالهند تستورد جزءًا كبيرًا من احتياجاتها من الطاقة من دول الخليج، ويعمل ملايين الهنود في الدول العربية، كما يتجاوز حجم التبادل التجاري مع المنطقة العربية مئات المليارات من الدولارات. ويرتبط هذا النجاح الدبلوماسي أيضًا بتغير البيئة الدولية نفسها، حيث أصبحت البراغماتية السمة الغالبة على العلاقات الدولية، بما في ذلك في الشرق الأوسط.

خاتمة: نهاية الأيديولوجيا وانتصار المصالح

إن السياسة الدولية لا تعرف الفراغ، ولا تعترف بالثوابت المطلقة. فالدول لا تملك أصدقاء دائمين، بل مصالح دائمة. والهند، التي كانت يومًا جزءًا من معسكر العالم الثالث، أصبحت اليوم قوة كبرى تعيد رسم توازنات آسيا والعالم. وهكذا فإن هذا التحول يؤكد الانتقال من "تحالف نهرو - عبد الناصر - تيتو"، الذي كان قائمًا على مبادئ التحرر، إلى "تحالف مودي - نتنياهو"، القائم على التكنولوجيا والأمن والممرات الاقتصادية. إنها المدرسة الواقعية، أو ما يُسمى بـ(Realpolitik)، التي تركز على توازن القوى، والمصالح القومية، والاستقرار الدولي بدلًا من الأيديولوجيا أو المبادئ المجردة. وفي هذا يقول هنري كيسنجر، وزير الخارجية ومستشار الأمن الأميركي السابق: "إن أميركا ليس لها أصدقاء دائمون أو أعداء دائمون، بل مصالح دائمة"، مؤكدًا أن "السلام لا يتحقق إلا عبر القوة، ولا يمكن الحفاظ عليه إلا بالتوازن". ومن لا يقرأ هذه التحولات بواقعية، سيبقى أسير أطر قديمة في عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.