قبل شهر، رنّ هاتفي فوجدتُ المتحدِّثة سيِّدةً مُسنَّةً، تخنقها العبرات وتحاول تماسك صوتها المرتجف. كانت أرملةً لمواطنٍ، تعيش وحدها في شقَّةٍ تستأجرها، لكن الأيَّام لم تترك لها سوى الذكريات والأمراض: سُكَّر وقلب ينهشان جسدها الواهن، وراتب تقاعد لا يكفي حاجتها للدواء والطعام، ناهيك عن إيجار الشقَّة الذي يُثقل كاهلها يومًا بعد يوم. "يا ابني، أنا تعبت، الجمعيَّات كلُّها سألت وكلُّها قفلت الباب في وجهي"، قالتها بصوتٍ مبحوح. كانت قد زارت أو اتصلت بمعظم الجمعيَّات الخيريَّة في مدينتها، تشرح حالها، تبكي همَّها، تطلب مساعدةً تُفرِّج عنها كُربة الإيجار الذي يُهدِّدها بالشارع. وفي كلِّ مرَّةٍ كان الجواب واحدًا: "للأسف، الشروط لا تنطبق عليك"، ثم يُغلق الهاتف، تاركين إيَّاها وحيدةً مع يأسها وأسئلتها: إلى أين تتَّجه بعد أن أُغلقت كلُّ السبل في وجهها؟
ساعتها، تذكَّرتُ صديقًا لي مسؤولًا في إحدى الجمعيَّات الخيريَّة الكبرى. اتصلتُ به مسرعًا، حاكيًا له قصَّة السيِّدة، لعلَّ بابًا يُفتح. استمع إليَّ بهدوء، ثمَّ تنفَّس وقال بكلماتٍ اعتذر فيها بلباقة: "والله يا صديقي، نظامنا لا يسمح، عندنا شروط واضحة للحالات المستفيدة، وهي لا تنطبق على حالتها. أقدِّر أن أفهم شعورك، لكن أيدينا مربوطة". لم أكن ألومه شخصيًّا، فهو يؤدِّي عمله ضمن نظامٍ صارم. لكن السؤال الذي ظلَّ يدور في رأسي: إذا كانت الجمعيَّات الخيريَّة هي "الملاذ الأخير" للمحتاج، فإلى أين تتَّجه هذه السيِّدة المُسنَّة بعد أن أغلقت كلُّ الجمعيَّات أبوابها في وجهها؟ وأيُّ رسالةٍ إنسانيَّةٍ نرسلها لمجتمعنا حين يكون ردُّنا الوحيد على معاناة إنسانٍ هو "شروطنا لا تنطبق عليك"؟ الأكثر إيلامًا في قصَّتها لم يكن مجرَّد الرفض، بل أسلوب التخاطب الذي وصفته: ردود جافَّة، إغلاقٌ للهاتف دون توجيهٍ أو دليل، عدم تقديم أيِّ خارطة طريقٍ بديلة، وكأنَّ مهمَّة الموظَّف تنتهي عند النطق بكلمة "مرفوض". المفترض في القائمين على العمل الخيري أن يكونوا أكثر الناس فهمًا لقسوة الظروف، وأن يقدِّموا للمحتاج، حتَّى لو تعذَّرت مساعدتهم، توجيهًا إلى جهةٍ أخرى، أو نصائح لتكملة أوراقه، أو على الأقل كلمةً طيِّبةً تُخفِّف من مرارة الرفض. لكن ما حدث كان العكس تمامًا: إغلاقٌ للهاتف يعني إغلاقًا لآخر أمل.
هذه القصَّة، التي تتكرَّر يوميًّا بآلاف النسخ في عالمنا العربي، تختزل في تفاصيلها إشكاليَّةً كبرى تعاني منها الجمعيَّات الخيريَّة، فبالرغم من التدفُّق الهائل للتبرُّعات والمساهمات الماليَّة التي تصل إليها سنةً بعد سنة، تبقى الفجوة الاجتماعيَّة كما هي إن لم تتَّسع، ويبقى المحتاجون مثل هذه السيِّدة يدورون في حلقةٍ مُفرغةٍ من الرفض والإحباط. وقد كشفت تقارير غير منشورة عن حقيقةٍ صادمة، إذ تذهب نسبةٌ تتراوح بين 30 بالمئة إلى 40 بالمئة من إيرادات هذه الجمعيَّات إلى المصاريف التشغيليَّة والإداريَّة، أي أنَّ قرابة ثلث تبرُّعات المانحين تستهلكها إيجارات المقرَّات الفخمة، ورواتب الموظَّفين الإداريين، وفواتير الكهرباء والاتصالات، وحملات التسويق وجمع التبرُّعات، بينما يعيش أكثر من 130 مليون عربي تحت خطِّ الفقر، وتتَّسع الفجوة بين الأغنياء والفقراء بمعدَّلاتٍ تُنذر بكارثةٍ اجتماعيَّةٍ حقيقيَّة، والمفارقة أنَّ الجمعيَّات الخيريَّة التي يُفترض أن تكون جسرًا يعبر به المحتاجون إلى برِّ الأمان، لم تستطع الاضطلاع بهذا الدور كما ينبغي.
ولعلَّ من أكثر مظاهر هذا الخلل وضوحًا، تلك التي نلمسها عندما ندخل إلى مواقع الجمعيَّات الخيريَّة أو تطبيقاتها الإلكترونيَّة، فحين تبحث عن خدمةٍ تُقدِّمها لمحتاج، ستجد نفسك تائهًا في متاهةٍ من الأزرار والنوافذ المنبثقة التي تدعوك للتبرُّع، قبل أن تتعثَّر، إن كنت محظوظًا، على رابطٍ صغيرٍ في زاويةٍ بعيدةٍ يتحدَّث عن "كيفيَّة الاستفادة من الخدمات" أو "التسجيل للحصول على مساعدة". وكأنَّ هذه الجمعيَّات نسيت أنَّ نصف مهمَّتها على الأقل هو الوصول إلى المحتاجين، لا جمع الأموال فقط. والمأساة تتفاقم حين تعلم أنَّ معظم من يبحثون عن المساعدة هم من كبار السن والمرضى، أي الفئات الأقل قدرةً على التعامل مع التعقيدات التقنيَّة والتصفُّح الإلكتروني المعقَّد. هؤلاء المُسنُّون الذين اعتادوا على الوجه الإنساني في العطاء، يقفون اليوم حائرين أمام شاشات هواتفهم، يحاولون فهم أين يضغطون ليصلوا إلى من قد يُنقذهم من جوعٍ أو دينٍ أو تشرُّد، فلا يجدون سوى طلبات التبرُّع التي تتكرَّر في كلِّ صفحة. والأغرب من ذلك أنَّ كثيرًا من هذه الجمعيَّات لا تنشر أيَّ أرقامٍ واضحةٍ عن إنجازاتها، فلا يعلم أحد كم أُسرةً استفادت من خدماتها، ولا كم حالةً سُدِّدت ديونها، ولا كم مريضًا عُولج على نفقتها، فتظلُّ هذه المعلومات حبيسة الأدراج والتقارير الداخليَّة التي لا يطَّلع عليها أحد، مما يُعمِّق الفجوة بين الجمعيَّات والمجتمع، ويزيد من عزلة المحتاجين الذين لا يجدون دليلًا شفَّافًا يُرشدهم إلى الجهة القادرة حقًّا على مساعدتهم.
ولعل السبب الأعمق لهذه المفارقة يعود إلى طبيعة النموذج الذي تعمل وفقه معظم جمعياتنا الخيرية، حيث تركز على "الإغاثة الطارئة" ممثلة في سداد دين عابر، أو توزيع سلة غذاء موسمية، أو كسوة عيد مؤقتة، وهذا النموذج يشبه مسكن الألم الذي يخفي المرض دون أن يشفيه، فهو يخفف الألم لحظياً لكنه لا يعالج الأسباب الحقيقية للفقر المتمثلة في البطالة، وضعف التعليم، وغياب التمكين الاقتصادي. وإلى جانب هذا الخلل في النموذج، تعاني الجمعيات من تضخم واضح في أجهزتها الإدارية، فتجد جمعية متوسطة الحجم تحتل مقراً في منطقة راقية، وتوظف عشرات الموظفين الإداريين حيث كان يمكن الاعتماد على متطوعين، وتصر على المعاملات الورقية رغم أن الرقمنة قادرة على خفض التكاليف إلى النصف، بل إن تشتت الجهود يزيد الطين بلة، إذ تعمل عشرات الجمعيات في الحي الواحد لتقدم نفس الخدمات، بينما تبقى مناطق نائية بأكملها بلا أي خدمات، والأخطر من كل ذلك هو غياب ثقافة قياس الأثر الحقيقي، فتكتفي الجمعيات بإحصاء عدد "السلال الغذائية" الموزعة، دون أن تسأل كم أسرة انتقلت من تلقي المساعدات إلى الإنتاج والعمل، وكم شاباً حصل على وظيفة بعد تدريب، وكم طفلاً أكمل تعليمه، إنها تقيس "النشاط" لا "الأثر".
وفي خضم هذا الواقع المحبط، تقف أمامنا تجارب عالمية ناجحة يمكنها أن تنير الطريق، فعندما كان البروفيسور محمد يونس يتجول في قرية جوبرا ببنغلاديش عام 1976، حيث كانت المجاعة تعصف بالبلاد، رأى بأم عينيه نساء ينسجن الحصير ولا يملكن ثمن شراء الخامات، فلم يتردد في إخراج 26 دولاراً من جيبه الخاص ليقرضها لـ 42 امرأة، وكانت تلك الشرارة التي أوقدت بنك جرامين الذي تبلغ قيمة عمولاته اليوم 2 مليار دولار، وله 1128 فرعاً، ويخدم 2.3 مليون مقترض، 94% منهم من النساء، والفكرة بسيطة لكنها ثورية: قروض صغيرة دون ضمانات، لتبدأ المرأة مشروعها الخاص، دجاج تبيعه، حياكة تمتهنها، زراعة صغيرة تقوم بها، وقد كانت النتائج مذهلة لدرجة أن محمد يونس والبنك حصلا على جائزة نوبل للسلام عام 2006، فالدرس الأهم هنا هو أن العمل الخيري الحقيقي هو أن تعطي الفقير "صنارة صيد" لا "سمكة"، وأن تمكنه لا أن تطعمه فقط، والدليل على نجاح النموذج أن 97% من المقترضات يثبتن أنهن جديرات بالائتمان ويسددن قروضهن بانتظام.
وفي الطرف الآخر من العالم، وفي بريطانيا، تقدم لنا تجربة Trussell Trust نموذجاً مختلفاً، ففي عام 2000 تلقت بادي وكارول هندرسون مكالمة هاتفية من أم في سالزبري تعاني لتوفير الطعام لأسرتها، ولم يملكا مقراً فافتتحا أول بنك طعام في حديقة منزلهما ومرآب السيارات، واليوم تحولت مبادرتهما إلى شبكة تضم أكثر من 1400 بنك طعام في جميع أنحاء المملكة المتحدة، ويعمل بها 36 ألف متطوع، والسر في هذا النجاح يعود إلى الاعتماد شبه الكامل على المتطوعين المحليين والكنائس والمراكز المجتمعية، مما قلص المصاريف الإدارية إلى أدنى حد، وأوصل المساعدات إلى مستحقيها بأعلى كفاءة، وهكذا أثبت هذا النموذج أن العمل الخيري يمكن أن يكون فعالاً ومنخفض التكلفة إذا اعتمد على روح التطوع المجتمعي، فتوفير رواتب 36 ألف موظف كان سيكلف ملايين الجنيهات التي ذهبت بدلاً من ذلك للمحتاجين.
أما في تركيا، وتحديداً في غازي عنتاب، فتقدم لنا منظمة "Ataa" نموذجاً ملهماً آخر، فعندما زارها باحثون لاحظوا أن مقرها بعيد عن مركز المدينة، وعندما سألوها عن السبب كانت الإجابة مذهلة: المبنى الذي نعمل فيه هو جزء من وقف إسلامي نملكه، لكن المفاجأة الأكبر كانت في تفاصيل أخرى، فالمنظمة تمتلك أراضٍ زراعية تزرع الفستق، وهو المنتج الشهير في المنطقة، وعائدات بيع الفستق تذهب بالكامل لتمويل أنشطتها الخيرية، وهذا هو "الوقف الإنتاجي"، أصل لا يباع يدر عائداً يستمر لسنوات، بدلاً من التبرعات الموسمية التي تجف إذا أصاب المانحين مكروه أو أزمة مالية، وهو ما يضمن استدامة العمل الخيري وتحريره من تقلبات الاقتصاد والمزاج العام للمتبرعين.
وحتى في المجتمعات الغربية المتقدمة، نجد تجارب ملهمة تدمج بين العمل الخيري وريادة الأعمال، ففي مقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية، أطلقت مؤسسة "Community Futures East Kootenay" برنامجاً لتطوير "ريادة الأعمال الاجتماعية" بين الجمعيات غير الربحية، حيث تلقت ست منظمات غير ربحية دعماً لتحويل أفكارها إلى مشاريع تجارية تخدم المجتمع، وكانت النتائج مذهلة حقاً، فقد أنشئت أربع مؤسسات اجتماعية جديدة حققت إيرادات تقدر بـ 1.4 مليون دولار، ومن المتوقع أن تصل إلى 2 مليون دولار إضافية خلال عام واحد فقط، ومن بين هذه المشاريع متجر "KORE rehub" لإصلاح وإعادة استخدام المعدات الرياضية، ومزرعة "Evergreens Farm" التي تبيع الخضروات وتتبرع بأرباحها لدعم المحتاجين، ومركز "Food Innovation Centre" لتحسين الأمن الغذائي، والدرس المستفاد أن الجمعيات الخيرية يمكن أن تكون "منتجة" لا "مستهلكة" فقط للتبرعات.
لكن ليس كل ما يلمع ذهباً، ففي الأردن يحذر خبراء من ظاهرة خطيرة أطلقوا عليها اسم "grant-preneurship" أو "منح-ريادة الأعمال"، حيث تتحول المؤسسات إلى آلات لاصطياد المنح وفق أولويات المانحين بدلاً من التركيز على رسالتها الاجتماعية الحقيقية، وقد كانت إحدى قصص التحذير لرائد أعمال ينتج حقائب ويدّعي توظيف لاجئات ومراعاة البيئة، لكن التحقيق كشف أن العاملات يتقاضين الحد الأدنى من الأجور في ظروف صعبة، والخامات المستخدمة ضارة بالبيئة، وهذا تحذير مهم بأن العمل الخيري الناجح هو الذي يحقق التوازن بين الاستدامة المالية والالتزام الحقيقي بالرسالة الاجتماعية.
من هنا، وبعد استعراض هذه النماذج الملهمة، يمكننا أن نرسم خريطة طريق واضحة لإعادة بناء الجمعيات الخيرية العربية على أسس سليمة، فأولى خطوات هذا الإصلاح تتطلب تحولاً جذرياً في فلسفة العمل الخيري من الإغاثة المؤقتة إلى التمكين المستدام، بأن تقدم للمحتاج تدريباً مهنياً يعلمه حرفة، أو قرضاً صغيراً يبدأ به مشروعاً، أو برنامجاً لمحو أمية أطفاله، فهذا أنجع بآلاف المرات من أن تقدم له سلة غذاء تنفد بعد أيام، كما أن خفض النفقات الإدارية أصبح ضرورة ملحة لا تحتمل التأجيل، وذلك من خلال الرقمنة الشاملة التي تحول جميع المعاملات إلى منصات إلكترونية، والاعتماد على المتطوعين كما في النموذج البريطاني، والشفافية المطلقة بنشر تقارير دورية واضحة توضح أين تذهب الأموال، مما يعزز ثقة المانحين ويشجعهم على مزيد من العطاء.
ولعل ما حدث مع السيدة المسنة التي بدأنا بها مقالنا يكشف عن حاجة ملحة أيضاً إلى تغيير ثقافة التعامل مع المحتاجين، فحتماً ستكون هناك حالات لا تنطبق عليها الشروط، لكن هذا لا يبرر أبداً إغلاق الهاتف في وجه إنسان يبحث عن ملاذ أخير، بل يجب أن يقدم له الموظف خريطة طريق واضحة، يوجهه خلالها إلى جمعيات أخرى قد تكون معاييرها أكثر مرونة، أو يساعده في استكمال أوراقه الناقصة، أو يشرح له كيف يمكنه تحسين وضعه ليصبح مؤهلاً للمساعدة مستقبلاً، وكلمة طيبة في النهاية قد تكون وحدها بلسمًا يشفي شيئاً من جروح اليأس التي تخلفها سنوات الحرمان.
كما أن مواقع وتطبيقات هذه الجمعيات بحاجة ماسة إلى إعادة تصميم جذرية، بحيث تكون بوابة للمحتاج قبل أن تكون منصة للمتبرع، توضع في صدر صفحاتها الرئيسية أزرار واضحة وكبيرة لعناوين مثل "كيف تحصل على المساعدة" أو "سجل طلبك الآن" أو "الأوراق المطلوبة للاستفادة من خدماتنا"، مع تبسيط اللغة والإجراءات لتناسب كبار السن والمرضى ومن ليسوا على دراية كافية بالتكنولوجيا، ويمكن أيضاً تخصيص أرقام هواتف للدعم الفني والإرشادي تساعد هذه الفئات على إتمام إجراءات التسجيل، أو حتى توفير خدمة الزيارات الميدانية للحالات الإنسانية الصعبة التي تعجز عن الوصول إلى الجمعيات، والأهم من ذلك كله، أن تلتزم كل جمعية بنشر تقارير دورية شفافة تتضمن أرقاماً دقيقة عن عدد الحالات التي ساعدتها، وقيمة المساعدات المقدمة، ونسبة المصاريف الإدارية إلى إجمالي التبرعات، وأنواع الخدمات المتوفرة، حتى يتمكن المحتاج من معرفة أي جمعية هي الأقدر على مساعدته، وأي باب عليه أن يطرق أولاً، وبهذا تتحول الشفافية من مجرد شعارات نرددها إلى أداة فعالة لتوجيه الموارد إلى مستحقيها الحقيقيين.
كما أن التخصص وإنشاء التحالفات بين الجمعيات يمثل خطوة حاسمة نحو ترشيد العمل الخيري، فبدلاً من مئات الجمعيات التي تقدم كل الخدمات بشكل مكرر ومشتت، يمكن التوجه إلى "التخصص الدقيق" بحيث تتخصص جمعية في التعليم فقط، وأخرى في الصحة، وثالثة في التمكين الاقتصادي، مع إنشاء "تحالف وطني للجمعيات الخيرية" ينسق الأدوار ويوزع الاختصاصات جغرافياً لضمان تغطية عادلة لجميع المناطق المحتاجة، وهذا يتطلب بالضرورة تغيير مؤشرات النجاح ذاتها، بحيث لا نكتفي بإحصاء عدد السلال الغذائية الموزعة، بل نقيس كم أسرة انتقلت من الفقر إلى الاكتفاء الذاتي، وكم شاباً حصل على وظيفة بعد تدريب، وكم طفلاً أكمل تعليمه، فهذا هو الأثر الحقيقي الذي يجب أن تقاس به نجاحاتنا.
وأخيراً، يمكننا إحياء نظام الوقف الإنتاجي كما في النموذج التركي، عبر تشجيع إنشاء أوقاف خيرية متنوعة من عقارات وأراضٍ زراعية وأسهم في شركات، يذهب ريعها لتمويل الأنشطة المستمرة، مما يضمن استدامة العمل الخيري وتحريره من تقلبات التبرعات الموسمية التي تجف في أي لحظة. إن العمل الخيري في عالمنا العربي اليوم يقف على مفترق طرق، الطريق الأول هو الاستمرار في النموذج التقليدي الذي أثبت فشله في تقليص الفجوة الاجتماعية، والطريق الثاني هو التغيير الجذري بتبني نماذج التمكين والاستدامة، والاستلهام من التجارب العالمية الناجحة، وإعادة هيكلة الجمعيات لتصبح أكثر كفاءة وشفافية. السيدة المسنة التي بدأنا بها قصتنا، والتي أغلقت الجمعيات أبوابها في وجهها، لم تكن تحتاج إلى سلة غذاء فقط، بل كانت تحتاج إلى سكن آمن يحميها من برد الشتاء ووحدة الأيام، وإلى علاج يداوي أمراضها، وإلى كرامة إنسانية لا تذل معها بسؤال الناس، والأهم من ذلك كله، كانت تحتاج إلى من يسمعها بإنسانية، ويدلها على الطريق، ويفتح لها باباً ولو ضيقاً من الأمل. لو أن جمعيتنا الخيرية قدمت لها ذلك، أو على الأقل ساعدتها في توجيهها نحو الجهة المناسبة، أو عاملتها بلطف وإنسانية يليقان بعمل اسمه "خيري"، لكانت اليوم تشعر أن المجتمع لم يتخل عنها في شيخوختها وضعفها. الرسالة الأهم التي نريد أن نختم بها هي أن المجتمع المنتج حقاً هو المجتمع المتكافل، والجمعيات الخيرية يمكن أن تكون قاطرة التنمية إذا امتلكت الجرأة على التغيير، والحكمة في استلهام النماذج الناجحة، والإخلاص في تحقيق رسالتها الإنسانية. وأخيراً، نترك القارئ مع سؤال السيدة المسنة الذي ظل معلقاً في ذهني منذ تلك المكالمة: إذا كانت الجمعيات الخيرية هي الملاذ الأخير للمحتاج، فإلى أين يتجه المحتاج بعد أن تغلق في وجهه كل الأبواب؟
فقراء بلا خدمة وجمعيات بلا روح
مواضيع ذات صلة

