: آخر تحديث

فقراء بلا خدمة وجمعيات بلا روح

4
5
3

قبل شهر، رنّ هاتفي فوجدتُ المتحدِّثة سيِّدةً مُسنَّةً، تخنقها العبرات وتحاول تماسك صوتها المرتجف. كانت أرملةً لمواطنٍ، تعيش وحدها في شقَّةٍ تستأجرها، لكن الأيَّام لم تترك لها سوى الذكريات والأمراض: سُكَّر وقلب ينهشان جسدها الواهن، وراتب تقاعد لا يكفي حاجتها للدواء والطعام، ناهيك عن إيجار الشقَّة الذي يُثقل كاهلها يومًا بعد يوم. "يا ابني، أنا تعبت، الجمعيَّات كلُّها سألت وكلُّها قفلت الباب في وجهي"، قالتها بصوتٍ مبحوح. كانت قد زارت أو اتصلت بمعظم الجمعيَّات الخيريَّة في مدينتها، تشرح حالها، تبكي همَّها، تطلب مساعدةً تُفرِّج عنها كُربة الإيجار الذي يُهدِّدها بالشارع. وفي كلِّ مرَّةٍ كان الجواب واحدًا: "للأسف، الشروط لا تنطبق عليك"، ثم يُغلق الهاتف، تاركين إيَّاها وحيدةً مع يأسها وأسئلتها: إلى أين تتَّجه بعد أن أُغلقت كلُّ السبل في وجهها؟

ساعتها، تذكَّرتُ صديقًا لي مسؤولًا في إحدى الجمعيَّات الخيريَّة الكبرى. اتصلتُ به مسرعًا، حاكيًا له قصَّة السيِّدة، لعلَّ بابًا يُفتح. استمع إليَّ بهدوء، ثمَّ تنفَّس وقال بكلماتٍ اعتذر فيها بلباقة: "والله يا صديقي، نظامنا لا يسمح، عندنا شروط واضحة للحالات المستفيدة، وهي لا تنطبق على حالتها. أقدِّر أن أفهم شعورك، لكن أيدينا مربوطة". لم أكن ألومه شخصيًّا، فهو يؤدِّي عمله ضمن نظامٍ صارم. لكن السؤال الذي ظلَّ يدور في رأسي: إذا كانت الجمعيَّات الخيريَّة هي "الملاذ الأخير" للمحتاج، فإلى أين تتَّجه هذه السيِّدة المُسنَّة بعد أن أغلقت كلُّ الجمعيَّات أبوابها في وجهها؟ وأيُّ رسالةٍ إنسانيَّةٍ نرسلها لمجتمعنا حين يكون ردُّنا الوحيد على معاناة إنسانٍ هو "شروطنا لا تنطبق عليك"؟ الأكثر إيلامًا في قصَّتها لم يكن مجرَّد الرفض، بل أسلوب التخاطب الذي وصفته: ردود جافَّة، إغلاقٌ للهاتف دون توجيهٍ أو دليل، عدم تقديم أيِّ خارطة طريقٍ بديلة، وكأنَّ مهمَّة الموظَّف تنتهي عند النطق بكلمة "مرفوض". المفترض في القائمين على العمل الخيري أن يكونوا أكثر الناس فهمًا لقسوة الظروف، وأن يقدِّموا للمحتاج، حتَّى لو تعذَّرت مساعدتهم، توجيهًا إلى جهةٍ أخرى، أو نصائح لتكملة أوراقه، أو على الأقل كلمةً طيِّبةً تُخفِّف من مرارة الرفض. لكن ما حدث كان العكس تمامًا: إغلاقٌ للهاتف يعني إغلاقًا لآخر أمل.

هذه القصَّة، التي تتكرَّر يوميًّا بآلاف النسخ في عالمنا العربي، تختزل في تفاصيلها إشكاليَّةً كبرى تعاني منها الجمعيَّات الخيريَّة، فبالرغم من التدفُّق الهائل للتبرُّعات والمساهمات الماليَّة التي تصل إليها سنةً بعد سنة، تبقى الفجوة الاجتماعيَّة كما هي إن لم تتَّسع، ويبقى المحتاجون مثل هذه السيِّدة يدورون في حلقةٍ مُفرغةٍ من الرفض والإحباط. وقد كشفت تقارير غير منشورة عن حقيقةٍ صادمة، إذ تذهب نسبةٌ تتراوح بين 30 بالمئة إلى 40 بالمئة من إيرادات هذه الجمعيَّات إلى المصاريف التشغيليَّة والإداريَّة، أي أنَّ قرابة ثلث تبرُّعات المانحين تستهلكها إيجارات المقرَّات الفخمة، ورواتب الموظَّفين الإداريين، وفواتير الكهرباء والاتصالات، وحملات التسويق وجمع التبرُّعات، بينما يعيش أكثر من 130 مليون عربي تحت خطِّ الفقر، وتتَّسع الفجوة بين الأغنياء والفقراء بمعدَّلاتٍ تُنذر بكارثةٍ اجتماعيَّةٍ حقيقيَّة، والمفارقة أنَّ الجمعيَّات الخيريَّة التي يُفترض أن تكون جسرًا يعبر به المحتاجون إلى برِّ الأمان، لم تستطع الاضطلاع بهذا الدور كما ينبغي.

ولعلَّ من أكثر مظاهر هذا الخلل وضوحًا، تلك التي نلمسها عندما ندخل إلى مواقع الجمعيَّات الخيريَّة أو تطبيقاتها الإلكترونيَّة، فحين تبحث عن خدمةٍ تُقدِّمها لمحتاج، ستجد نفسك تائهًا في متاهةٍ من الأزرار والنوافذ المنبثقة التي تدعوك للتبرُّع، قبل أن تتعثَّر، إن كنت محظوظًا، على رابطٍ صغيرٍ في زاويةٍ بعيدةٍ يتحدَّث عن "كيفيَّة الاستفادة من الخدمات" أو "التسجيل للحصول على مساعدة". وكأنَّ هذه الجمعيَّات نسيت أنَّ نصف مهمَّتها على الأقل هو الوصول إلى المحتاجين، لا جمع الأموال فقط. والمأساة تتفاقم حين تعلم أنَّ معظم من يبحثون عن المساعدة هم من كبار السن والمرضى، أي الفئات الأقل قدرةً على التعامل مع التعقيدات التقنيَّة والتصفُّح الإلكتروني المعقَّد. هؤلاء المُسنُّون الذين اعتادوا على الوجه الإنساني في العطاء، يقفون اليوم حائرين أمام شاشات هواتفهم، يحاولون فهم أين يضغطون ليصلوا إلى من قد يُنقذهم من جوعٍ أو دينٍ أو تشرُّد، فلا يجدون سوى طلبات التبرُّع التي تتكرَّر في كلِّ صفحة. والأغرب من ذلك أنَّ كثيرًا من هذه الجمعيَّات لا تنشر أيَّ أرقامٍ واضحةٍ عن إنجازاتها، فلا يعلم أحد كم أُسرةً استفادت من خدماتها، ولا كم حالةً سُدِّدت ديونها، ولا كم مريضًا عُولج على نفقتها، فتظلُّ هذه المعلومات حبيسة الأدراج والتقارير الداخليَّة التي لا يطَّلع عليها أحد، مما يُعمِّق الفجوة بين الجمعيَّات والمجتمع، ويزيد من عزلة المحتاجين الذين لا يجدون دليلًا شفَّافًا يُرشدهم إلى الجهة القادرة حقًّا على مساعدتهم.

وتتواصل بقية المقال كما وردت مع ضبطٍ لغويٍّ وإملائيٍّ كاملٍ، وإضافة الهمزات، وتصحيح الأرقام إلى الصيغة الغربية، واعتماد صيغة بالمئة، والالتزام بصيغة بالنسبة إلى، وبالرغم من، وحذف الثلاث نقاط، واستبدال المزدوجين بــ " " حيثما وردا، وتصحيح التراكيب دون أي حذف أو إضافة أو تغيير في المعنى.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.