: آخر تحديث

أزمة الإخوان بعد تجفيف الموارد

3
4
4

لم تسقط جماعة الإخوان المسلمين عندما خسرت السلطة، بل بدأت أزمتها الحقيقية عندما خسرت المال.

لعقود طويلة، لم تكن الجماعة تنظيماً سياسياً فقط، بل شبكة عابرة للحدود تمتلك مصادر تمويل متعددة، بعضها سياسي وبعضها مرّ عبر العمل الخيري والاجتماعي. لكن التحولات التي أعقبت أحداث الربيع العربي غيّرت قواعد اللعبة بالكامل، بعدما قررت دول عربية إعادة تعريف علاقتها مع الجماعة وتشديد الرقابة على مواردها المالية.

إنه انتقال من مشروع سياسي يسعى للحكم إلى تنظيم يسعى للاستمرار.

ومنذ تلك اللحظة، دخلت الإخوان مرحلة جديدة: مرحلة البقاء بلا راعٍ.

من التمويل الكبير إلى اقتصاد البقاء
حين أُغلقت قنوات الدعم التقليدية لم تختفِ الجماعة، بل أعادت تشكيل نفسها مالياً. تحوّل التمويل من دفعات وتدفقات كبيرة إلى تبرعات صغيرة قادمة من شبكات الشتات، تُجمع بهدوء وعلى فترات متقطعة، تكفي لإبقاء التنظيم حيّاً، لكنها لا تكفي لإعادته لاعباً إقليمياً مؤثراً.

المال الذي لا يُرى
في عالم تتزايد فيه الرقابة المصرفية، لم يعد المال يمرّ بالطرق التقليدية فقط. تشير تقديرات وتقارير غربية إلى لجوء بعض الشبكات المرتبطة بتيارات سياسية عابرة للحدود إلى العملات الرقمية كوسيلة تحويل أقل خضوعاً للرقابة.

لا دليل قاطعاً على إدارة مركزية لهذا المسار، لكن مجرد ظهور هذه الأدوات يعكس تحوّلاً في عقلية التمويل: من المؤسّسات إلى الشبكات، ومن العلن إلى الظل.

اقتصاد الظل بدل الدولة
على مدى سنوات، بنت الجماعة منظومة اجتماعية واقتصادية موازية: مدارس، مؤسسات، مراكز بحث، وشركات صغيرة يديرها أفراد قريبون فكرياً منها في عدة دول.

هذه الشبكات لا تبدو تنظيماً رسمياً، لكنها تؤدي وظيفة واحدة: تأمين الحد الأدنى من الموارد بعيداً عن الضغط السياسي المباشر. إنه اقتصاد لا يصنع النفوذ، لكنه يمنع الانهيار.

تقاطعات السياسة لا تحالفاتها
وفّرت تركيا بعد 2013 مساحة سياسية وإعلامية لشخصيات مرتبطة بالجماعة، ما منحها متنفساً للحركة وإعادة التموضع. أما في الإقليم الأوسع، فقد ظهرت تقاطعات ظرفية في بعض ساحات الصراع، فرضتها حسابات النفوذ لا الانسجام الأيديولوجي.

فالسياسة في الشرق الأوسط لا تقوم دائماً على الاتفاق، بل أحياناً على تقاطع المصالح المؤقتة.

المشكلة اليوم ليست أن الإخوان فقدت التمويل فقط، بل أنها فقدت الإجابة عن سؤال أكبر: ماذا بعد؟

تفكك القيادة، تغيّر المزاج الشعبي، وصعود أولويات الدولة الوطنية في المنطقة جعل خطاب الجماعة أقل قدرة على الإقناع مما كان عليه سابقاً.

يمكن للتنظيم أن يعيش بموارد محدودة سنوات طويلة، لكن المال قادر على إطالة العمر، لا على صناعة الفكرة.

لم تمت جماعة الإخوان المسلمين، لكنها لم تعد أيضاً كما كانت. هي اليوم تنظيم يتنفس اقتصادياً كي يبقى، لا مشروعاً سياسياً يصعد كي يحكم.

فالتاريخ السياسي يعلّمنا أن التنظيمات لا تنتهي عندما تُهزم، بل عندما تفقد قدرتها على إقناع المستقبل.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.