: آخر تحديث

الوطن بين الخَسّة والخِسّة

4
4
3

عند أشقّائنا المصريين عبارة جميلة لتنقيص الوزن الزائد للجسم الإنساني: "إنتَ لازم تِخسّ شوية".

دوماً قناعتي أنّ الشعب هو الجاني الأكبر، وليس هذا النظام أو تلك المعارضة.

حين ذهب الأسد، مَن خلفه؟ القوى الموجودة على الأرض.

وإذا ذهب هذا النظام أو أي نظام على وجه الأرض، فمن سيخلفه ويحلّ محلّه؟ القوى البديلة بلا أدنى شكّ.

هل يظنّ سوريّ اليوم أنّ ثمّة قوّة سياسية أو عسكرية يمكن أن تكون بديلاً أفضل من النظام القائم اليوم؟ هذا وهم، لأنّ كلّ البدائل متشابهة وهي أسوأ من النظام القائم والسابق وأكثر تطرّفاً وقابليةً للانحراف عن البوصلة الوطنية، وأيّ ادّعاء في هذا السياق فقد سبقته ادّعاءات ورأيناها. فاليوم تسيطر على سوريا التجاذبات الطائفية لا الأطروحات السياسية الوطنية، وفي تجاذبات كهذه ستكون الساحة السياسية للأكثر تشدّداً وطائفية، أي للأسوأ، فلا يمكن بحال من الأحوال المطروحة أن تكون هناك أطروحات وطنية؛ هذه هي مفرزات الحالة الطائفية، فما الحلّ؟

لكن تخيّل لو قرّر هذا الشعب أن ينزل في ساعة محدّدة من بيته ويعتصم أمام منزله! ماذا سيحصل؟

حينها لن يكون إلّا ما يرضيه، وفي 5 دقائق.

لقد سُفكت دماء مئات ألوف الضحايا الأبرياء خلال 14 سنة، كان يمكن أن تُحلّ القضية في 5 دقائق وتُصان حرمات تلك الدماء لو نزل الناس، كلٌّ أمام بيته، وقالوا بلسان واحد: لا نريدكم جميعاً، ولا أحد منكم يمثّلنا، نريد بلداً آمناً وسلطة أمينة ونظاماً خادماً لا سيّداً مستبدّاً، نريد أن نعيش.

هي فرصة متاحة دوماً.

وقد يُقال إنّ الشعب هو الآخر سيختلف؛ وهذا وهم تصوّريّ ترفضه الجِبِلّة البشرية النفسية والاجتماعية وطبيعة العقل الجمعيّ المجتمعيّ؛ حين ينزل الجميع سيتّفقون ولو كانوا مختلفين؛ أنت لا تختلف في السوق مع أحد، وهذه حقيقة الأمر؛ ولهذا جاء في الحديث: "لا تجتمع أمّتي/الأمة على ضلالة". ولهذا قيل: "ألسنة الناس أقلام الحقّ"، فقط لو اجتمعت؛ هذه طبيعة بشرية يؤكّدها علم النفس الاجتماعي والمعرفي.

حين يصل أحدُنا إلى بيته فيجد أنّ مائدة الطعام ينقصها الخَسّ، سينزل من بيته إلى أقرب دكّان خضار ليجلب الخَسّة.

وخلاص الوطن يحتاج ما تحتاجه خَسّة، ليخسّ ونطرح الزائد فينا من الخِسّة.

اليوم صارت كلّ القوى، سياسيةً وعسكريةً، تلجأ إلى القتل والاغتيال وإلى كلّ وسائل التوحّش والإجرام والخِسّة؛ فلا يخدعنّكم تحضّرهم ومدنيّتهم وخطابهم السياسي العقلانيّ منه أو الوجدانيّ على وسائل الميديا. والحلّ لن يكلّف جهداً أكثر ممّا تحتاجه الخَسّة؛ ولنا الخيار بين الخَسّة والخِسّة.

بالأمس القريب قيل لي في أحد المعتقلات: "المرّة القادمة إن تكلّمت فحقّك رصاصة سعرها 70 ليرة".

اليوم كلّنا سلعة قابلة للمقايضة برصاصة سعرُها لا يساوي خَسّة، ولا نعرف متى تختارنا يد المشتري أو البائع مصادفةً من بين معروضات بَسطةِ بائعٍ متجوّلٍ مطروحةٍ في سوق الخَسّ والخِسّة.

الرحمة للضحايا، والسلامة للذين ينتظرون دورهم.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.