خبرنا التاريخ، لا بوصفه سردية انفعالية، بل وثيقة صلبة، أن كثيراً من السرديات السياسية العراقية قبل سقوط نظام صدام حسين وبعده، لم تكن محض افتراءات عابرة تجاه الكويت، بل امتداداً لإرث ثقيل من الأوهام والأطماع، قلع الثقة وزرع الشك بين البلدين.
تصورنا، في الكويت، وربما بحسن نية مفرط، أننا أمام مرحلة تاريخية جديدة بعد عام 2003، تُتاح فيها فرصة إعادة صياغة العلاقة مع العراق على أسس الشراكة السياسية والاقتصادية والثقافية، بما يجمع الشعبين الشقيقين بدل أن يفرقهما.
وحملنا حكوماتنا مسؤوليات إضافية قد لا تُحتمل في دعم العراق، وإعادة بنائه، وانتشاله من مجزرة الطائفية والنزاعات الدينية، وإنقاذه من المخطط الإيراني.
غير أن المشهد الحكومي العراقي لم يستقر على منطق الدولة بقدر ما توزّع بين إرادات داخلية متصارعة، وتأثيرات خارجية ضاغطة، أبرزها نفوذ إيران بقيادة علي خامنئي، الذي تمدد، وفق قراءات عديدة، إلى مفاصل القرار السياسي في بغداد.
العراق اليوم ليس في أفضل أحواله: تعقيدات داخلية، وسلاح منفلت، ونزعات شعبوية، وأزمات اقتصادية واجتماعية تُثقل كاهل الدولة.
وقد قدّم سياسيون عراقيون، في مراحل مختلفة، رؤى تحذيرية مبكرة من الانزلاق إلى هذا المسار، من أبرزهم النائب السابق فائق الشيخ علي، الذي دعا إلى ترسيخ مفهوم الدولة الوطنية المستقلة، ومنطق الدولة المدنية، وحذر من الارتهان لملالي إيران.
إن أي مراجعة انفعالية لملف الحدود العراقية الكويتية لن تخدم مصلحة العراق، بل قد تُربك استقرار العلاقات الثنائية بين البلدين، وتُعيد الزج بهذا الملف في دائرة التوتر السياسي.
لقد أُنجز ملف الحدود وفق أطر قانونية دولية واضحة، واستقر في مساره الرسمي المعترف به أممياً، بما يُحصّن العلاقات الثنائية من التقلبات الظرفية والحسابات الشعبوية.
وفي ضوء التحركات العراقية الأخيرة بإعادة اجترار مزاعم بشأن الحدود البحرية وإيداع الخرائط والإحداثيات لدى الأمم المتحدة، فإن المسألة تبدو، من زاوية كويتية، معضلة عراقية أكثر منها أزمة كويتية.
فمحاولة إعادة فتح هذا الملف خارج ذلك الاتفاق المبرم بين البلدين برعاية دولية لن تُقرأ بوصفها مراجعة قانونية مشروعة، بل قد تُفسّر باعتبارها رسالة سياسية أكثر منها قانونية، وانعكاساً لنزعة شعبوية مؤثرة في توجيه القرار في بغداد.
السؤال المطروح هنا: هل المطلوب حشد سياسي ودبلوماسي وإعلامي كويتي ضد العراق؟ أم أن الحكمة تقتضي التريث، وانتظار ما ستسفر عنه حسابات العقل في بغداد؟ لعل الانتظار، في هذه المرحلة، هو الخيار الأرجح.
أمام رئيس الوزراء محمد شياع السوداني فرصة نادرة لترجيح منطق الدولة على منطق الشعبوية، وتقديم مصلحة العراق الاستراتيجية على اعتبارات آنية. فالعراق، بحجمه وموقعه وثرواته، لا يحتمل عزلة خليجية أو عربية جديدة، ولا مغامرات قانونية تعيد إنتاج أزمات الماضي.
الكويت، بما تستند إليه من عمق خليجي وعربي، وعلاقات دولية متينة، قادرة على تفعيل أدوات التصعيد السياسي والدبلوماسي إن أرادت، لكنها تدرك في الوقت ذاته أن التصعيد ليس غاية في ذاته، بل وسيلة أخيرة تُستخدم حين تُستنفد فرص العقل.
نحن، في الكويت، أمام أكثر من سيناريو. غير أن السيناريو الأمثل يظل مرهوناً بقدرة بغداد على استدعاء صوت الحكمة، قبل أن يتحول الخلاف السياسي إلى شرخ طويل الأمد.
فالرهان اليوم ليس على الخرائط، بل على الإرادة السياسية: هل ينتصر منطق الدولة أم يُعاد تدوير الوهم؟


