: آخر تحديث

الفاتيكان... والصوم في ظلال رمضان

3
4
4

في عالم تتسارع فيه المسارات نحو المادية والاستهلاك، يأتي شهر رمضان، شهر الصوم والعبادة، ليذكر البشرية بحقائق خالصة من الروحانية، التي تسمو بالنفس البشرية فوق التيارات المعاصرة، ليضحى الصوم فعل مقاومة إيمانية ضد طغيان الجسد، وسطوة شهوات النفس.

يجمع الصوم الصائمين، من كل الملل والنحل، لا سيما أنه ينقل بشريتنا المعذبة من دائرة الأنانية الشخصانية، إلى رحاب إيثار الغير، ما يجعل من الجوع الطوعي مقدمة لتحول وجودي.

قبل بضعة أيام، وكعادة حاضرة الفاتيكان، أصدرت دائرة الحوار بين الأديان، رسالتها الأولى في حبرية البابا ليو الرابع عشر، والموجهة إلى العالم الإسلامي في كل بقاع وأصقاع المسكونة.

يأتي صوم الشهر الفضيل هذا العام، مواكباً لزمن الصوم الكبير الذي يسبق عيد الفصح، ما يخلق جسراً مؤكداً للحوار، ويزيل كثيراً من الجدران.

الرسالة جاءت على لسان عميد دائرة الحوار الكاردينال جورج جاكوب، وأعرب فيها عن تهنئة الكرسي الرسولي للمسلمين المؤمنين، أولئك الذين يؤمنون بـ«الله الواحد الأحد، الحي القيوم، الرحيم القدير، خالق السماوات والأرض»، ذلك المقطع الثمين المأخوذ من وثيقة «في حاضرات أيامنا» الصادرة عن المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، عام 1965، والتي لا تزال تعدّ فتحاً كبيراً في علاقات العالم المسيحي بالإسلام والمسلمين.

يقول الكاردينال جورج في كلمته: «هذا العام، وبعناية إلهية تجلت في تقارب التقويمين، يعيش معكم المسيحيون في الوقت نفسه، زمن الصوم الكبير، وخلال هذه المرحلة الروحية المكثفة، نسعى جميعاً إلى اتباع إرادة الله بأمانة أعمق. وتتيح لنا هذه المسيرة المشتركة أن نعترف بضعفنا الإنساني الأصيل، وأن نواجه التجارب التي تثقل قلوبنا».

تبدو رسالة دائرة الحوار، وكأنها صرخة تشق عنان سماء المادية التي تخيم على عالمنا المعاصر، حيث عبادة الذات، وتكبر النفس البشرية، يدفعان الإنسانية من جديد، إلى مزالق الحروب والمواجهات الدموية، الأمر الذي يتكبد ثمنه الفقراء والبسطاء من أقنان الأرض.

يصف صاحب الرسالة أزمة العصر الحالي، بأنها أوقات ضبابية، تتزاحم فيها المعلومات والروايات ووجهات النظر المتباينة، ما يزيد من معاناتنا الوجدانية واليومية، الأمر الذي يدفعنا للتساؤل: كيف السبيل إلى المضي قدماً؟

يبدو الجواب من الصعوبة بمكان، لا سيما في ظل عالم تتقلص فيه مساحات الروح على حساب الجسد، ومن هنا تبدو عظمة الصوم الرمضاني والصوم الأربعيني، ذاك الذي يبدو أنه اقتران بين التجربة والتجلي، وبين الامتحان والانطلاق، على أرض غربتنا هذه.

تضع الرسالة يدها على مواضع الألم الكوني المعاصر، لا سيما حين يغري اليأس أو العنف بسلوكهما، أصحاب القرارات المصيرية، ما يجعل من فقدان الأمل استجابة طبيعية لعالم جريح، وساعتها يظهر العنف كأنه طريق مختصر نحو العدالة، متجاوزاً الصبر الذي يقتضيه الإيمان. غير أن كليهما لا يمكن أن يكون سبيلاً مقبولاً للمؤمنين. فالمؤمن الحق يثبت نظره على النور غير المنظور، أي على الله عز وجل، القدير والرحيم والعادل وحده. ويسعى بكل ما أوتي من قوة إلى العيش بحسب تكاليف السماء ووصاياها، والتي فيها وحدها رجاء الدهر الحاضر، والسلم الذي يتوق إليه كل قلب بشري.

في رمضان لا ينظر إلى الجسد بوصفه شراً، بل أمانة، والصوم ليس إلغاء للجسد، بل ترويض له. هذا هو فقه إعادة ترتيب الأولويات، إن جاز التعبير، بحيث لا يكون الإنسان عبداً لحاجاته البيولوجية أو النفسية، بل يكون متعالياً في أعلى عليين من القيم الروحية المابعد إنسانية.

الرسالة تحمل هذا العام دعوة للمسلمين والمسيحيين حول العالم، ومعهم جميع ذوي الإرادة الصالحة، من أصحاب المذاهب الوضعية، لاستشراف سبل جديدة وفتح آفاق متجددة للحياة... لكن السؤال كيف ذلك؟

هنا تبدو روحانية رمضان حاضرة، حيث الصوم ليس فقط عبادة فردية؛ بل دعوة للتضامن الجماعي في وقت المحنة المادية التي يعيشها عالمنا البائس.

يصبح الأمر ممكناً بفضل إبداع تغذيه الصلاة ويزكيه الصوم وتمدحه الزكاة، ما يجعل من جوع الصائم وسيلة لاستشعار ألم المحتاجين، وانكسار المحرومين، الأمر الذي ينقي السريرة ويصفي البصيرة.

تظهر الرسالة الأريحية التي أعلن عنها البابا ليو الرابع عشر منذ لحظات حبريته الأولى، والتي تتسم بالرغبة في الحوار الأخوي، وتعميق جذور الوئام والسلام حول العالم، عوضاً عن الكراهية والحروب.

تُختتم الرسالة بدعوة صادقة لأن يكون هذا الزمن المشترك من شهر رمضان المبارك والصوم الكبير، فرصة لتحول داخلي صادق، وحافزاً لعالم متجدد، تفسح فيه أسلحة الحرب المجال لشجاعة السلام.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد