في الثالث من شباط (فبراير) 2021، اغتيل رفيقي ونديمي لقمان سليم.
لم يجرِ هذا الحدث في ظروف غامضة، ولم يكن جريمة مجهولة المُرتَكِب، ولا لغزًا أمنيًا عصيًا على فك شفرته. لقد كان اغتيال لقمان غدرًا سياسيًا موصوفًا، نُفِّذ في عمق جنوب لبنان، في منطقة تخضع بالكامل لسيطرة حزب الله، وتحت مظلة القرار الدولي 1701، وفي نطاق انتشار قوات اليونيفيل. خمس سنوات مرّت، والدولة اللبنانية بمؤسساتها الأمنية والقضائية لم تتخذ أي إجراء فعلي.
لم نشهد توقيف أي مشتبه بهم، ولم يُحاسب أي من المسؤولين، حتى المساءلة كانت غائبة، تمامًا كما جرى بعد انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب (أغسطس) 2020.
أكتب اليوم ليس فقط بصفتي باحثًا أو مواطنًا، بل باعتباري شخصًا عايَش لقمان سليم عن قرب. لقد عرفته صديقًا، ومُحاورًا، ومثقفًا لبنانيًا فريدًا من نوعه. لقد رفض لقمان أن يساوم على حريته الفكرية أو على حقه في تسمية الأشياء بأسمائها. لقمان لم يكن "استفزازيًا" كما أحبّ خصومه أن يصوّروه، بل كان رجلًا شجاعًا. إلا أن الشجاعة في لبنان، لا سيما عندما يتعلق الأمر بمواجهة السلاح، تُصبح جريمةً لا تُغتفر.
لم يُقتَل لقمان غدرًا لأنه حمل سلاحًا، بل لأنه صاحب فِكر. لم يُغتل لأنه تآمر، بل لأنه جاهَر بالحق وكَسَرَ حاجز الصمت. لقد أوضَح وأظهَرَ كيف أن حزب الله حوّل بيئته إلى رهينة، ولبنان إلى ساحة، والدولة إلى واجهة فارغة. قال إن السلاح لم يعد "مقاومة"، بل نظام حكم موازٍ يقوم على الترهيب والإفلات من العقاب. صرّح بذلك علنًا، وباسمه، ومن دون أقنعة. وكان على يقين، شأنه شأن أصدقائه، أن الثمن قد يكون حياته.
اليوم، بعد خمس سنوات، لا يزال القتلة أحرارًا مُطلَقي السراح. والأخطر من ذلك أن الدولة اللبنانية تملك، بحسب ما تسرّب، تسجيلات ومعطيات واضحة عن المُنَفذين وتحركاتهم، ومع ذلك تَمَنّعت عن تجسيد المعرفة عدلًا. هذا التَمَنُّع ليس عجزًا فنيًا، بل قرار سياسي. قرار بعدم الصدام مع منظومة السلاح، حتى ولو كان الثمن دم مواطن لبناني أعزل.
نحن لا نطالب فقط بكشف هوية المُنَفذين المباشرين، الذين ضغطوا على الزناد، بل بمحاسبة من أرسلهم، ومن وفّر الغطاء لهم، ومن قرر أن يجعل من الاغتيال أداة حكم. القضية هنا ليست جنائية فقط، بل إنها مسؤولية سياسية وأخلاقية، ومن العبث الادّعاء بأن الحقيقة مجهولة. نحن على دراية بمن قتل لقمان سليم، تمامًا كما نعرف هوية من اغتال رفيق الحريري، وسمير قصير، وجبران تويني، وبيار الجميل، ومحمد شطح، والياس الحصروتي، وعشرات غيرهم منذ عام 2005، لكن ما نفتقده ليس المعرفة، بل إحقاق الحق.
وربما تكمن المأساة الأعمق في أن لقمان سليم ليس حاضرًا بيننا اليوم ليرى كم كانت قراءاته صائبة. لقد تحقق حرفيًا الكثير مما حذّر منه، في حين أنه تعرّض آنذاك للتهكم والازدراء. ها هو اليوم "محور المقاومة" الذي قدّم نفسه قدرًا تاريخيًا، يتهاوى من الداخل: نظام إيراني يقتل أبناءه في الشوارع، ويقمع مجتمعه بحجة الحفاظ على ديمومته، ويبحث، في الوقت نفسه، عن صفقة تنقذه من الانهيار. مشروع ادّعى أنه صوت المظلومين، فإذ به يتحول إلى سلطة خائفة، قاهرة واستبدادية، مأزومة ولا تملك سوى القمع والمساومة. لقمان أدرك ذلك قبل كثيرين، وكان يُردد إن هذه البنية لا يمكنها أن تنتج مستقبلًا، لأن قوامها الخوف لا السياسة، والسلاح لا الشرعية.
أتذكّر جيدًا كيف كان الأمين العام لحزب الله الراحل حسن نصر الله يلوّح بإصبعه على الشاشات، مهددًا خصومه بالموت، وكأن البلاد غابة رعب شاسعة. كنت ألتفت إلى لقمان، فأراه يسحب بهدوء نفسًا من سيجارته، ويبتسم بسخرية خَفية. لم يكن يضحك استهزاءً بالموت، بل استخفافًا بالقتلة. كان يعلم أن من يلجأ إلى التهديد العلني هو في الحقيقة أضعف مما يدّعي. تلك الابتسامة لم تكن إنكارًا للخطر، بل رفضًا للخضوع. وربما لهذا السبب بالذات قُتِل لقمان.
قد يقول البعض إن الزمن تغيّر، وإن بعض القيادات التي مثّلت هذا النهج قُتلت لاحقًا، وربما يُنسب ذلك إلى "العدالة الإلهية". لكن العدالة، في الدول، لا تُبنى على الغيب، ولا تُفوَّض إلى السماء. العدالة تُبنى بالمحاسبة، وبتطبيق القانون، وبإنهاء ثقافة الإفلات من العقاب. من دون ذلك، يبقى القتل رسالة مفتوحة، ويبقى الصمت سياسة، ويبقى الخوف نظامًا.
لم يسعَ لقمان سليم إلى الثأر، ولا إلى إثارة الفتنة أو إلى التشهير. لقمان كان يريد دولة. دولة تحمي مواطنيها بدلًا من أن تبرّر قتلهم. دولة لا تخشى ميليشيا، ولا تساوي بين القاتل والضحية. دولة تُصرّح بوضوح أن لا سلاح فوق القانون، ولا توجد قضية تبرّر الاغتيال.
لا سلام في لبنان من دون عدالة. ولا عدالة من دون مواجهة الحقيقة. والعدالة للقمان سليم ليست شأنًا شخصيًا أو عاطفيًا، بل شرطًا سياسيًا لبناء مستقبل مختلف. لبنان العدالة، إن كان له أن يولد، لن يولد من رَحِم تسويات الخوف، ولن يكون نتيجة مقايضات التضحية بالأرواح مقابل الغايات. لبنان العدالة سينبعث من كسر حلقة الإفلات من العقاب.
إنَّ العدالة للقمان سليم ليست انتقامًا. إنها بداية السلام. والسلام، في لبنان، لا يمكن أن يقوم إلا على عدالة مفادها أنه لن يُقتل أحد بعد اليوم لأنه قال "لا".


