بديهي أنه تُقاس قيمة أي مرسوم بقدر ما يغيّر حياة الناس فعلاً داخل المدرسة والإدارة والشارع، وليس بالعبارات المنمّقة التي يضمها، لأن الحق حين يبقى حبراً على الورق يتحوّل إلى إعلان نوايا لا أكثر، في أحسن تقويم. من هنا تفرض قراءة المرسوم 13 التنظيري وقرار وزارة التربية المفسِّر أو التطبيقي المتصل به نفسها كضرورة نقدية، بتأنٍ، وبعيداً عن الانفعال وصدمة المعطى الذي لا يرقى إلى مستوى الترقّب، بل الاستحقاق، حيث تبدو اللغة الكردية حاضرة في النص وغائبة في الواقع. كيف هذا؟ هو ما نريد مناقشته هنا، لأن الاعتراف موجود لفظاً، أما المساواة فمؤجّلة فعلاً. وهكذا يتشكّل مشهد متناقض تُمنح فيه الحقوق بالتقسيط، وتُدار قضية بحجم لغة شعب عريق كامل يعيش على أرضه بعقلية الإذن الإداري لا بعقلية الالتزام القانوني المنخوع أو المجزّأ، في إطار السماح بدورات لغة كردية أو كورسات لا شأن لها. هذه المفارقة تضعنا أمام سؤال مباشر يتعلق بطبيعة السلطة الجديدة نفسها، وهل تتعامل مع الكرد باعتبارهم شركاء كاملي الحقوق، أم إنها تتعامل معهم كمحض ملف قابل للتخدير المرحلي.
وفي الحقيقة، إن قيمة أي مرسوم سياسي تبدو في المسافة بين ما يعلنه وما يتيحه أو يترجمه فعلياً على الأرض. إذ لا تُقاس الحقوق بما يُكتب في الديباجة، بل بما يتحوّل إلى ممارسة يومية داخل المدرسة والإدارة والقضاء، فكيف وإذا كانت هذه الحقوق قد كُتبت بحذر شديد، بحيث لا تعطي صاحب الاستحقاق كل ما يترتّب له؟ من هنا تبدو الحاجة إلى قراءة هادئة للمرسوم رقم 13 ولقرار وزارة التربية المتصل به، لا باعتبارهما منحة تاريخية، وإنما خطوة ناقصة ما تزال حبيسة حسابات سياسية ضيقة، حيث يُمنح الحق على جرعات صغيرة، ويُؤجَّل جوهره إلى أجل غير مسمّى.
ينطلق المرسوم من الاعتراف بالكرد مكوّناً وطنياً ويُقرّ للغتهم صفة "اللغة الوطنية"، غير أن هذا الاعتراف يبقى أقرب إلى توصيف ثقافي منه إلى التزام دستوري. إذ إن النص لا يضع اللغة الكردية في موقع متكافئ مع العربية داخل بنية الدولة، ولا يربطها بحقوق تعليمية وإدارية واضحة، بل يتركها في هامش الصياغة، وكأنها ملحق يمكن توسيعه أو تقليصه تبعاً للظرف السياسي، ليتحوّل هذا الاعتراف إلى أنساق رمزية، بينما يبقى الواقع محكوماً بالترتيب القديم عينه.
لكن كيف ذلك؟ تعالوا نستعرض نص المرسوم كما جاء. تكشف القراءة الدقيقة أن المرسوم يتجنّب الحسم في النقطة الأساسية المتعلقة بمكانة اللغة في المجال العام. فلا ذكر لاستخدامها في الدوائر الرسمية، ولا حضور لها في الوثائق، ولا أي تصوّر لازدواج لغوي معتمد في مناطق الكثافة الكردية، ومن دون أي مسار تدريجي يجعلها لغة تعليم رئيسة. إذ يُكتفى بعبارة "تسمح بالتدريس"، وهي صياغة فضفاضة يمكن تفسيرها بأضعف صور التطبيق. من هنا تتشكّل الفجوة بين حلم أو مشروع كردي منتظر منذ أكثر من قرن لتكون الكردية اللغة الثانية على مستوى البلاد، وبين صيغة إدارية مترددة تكتفي بالإذن أو غضّ النظر.
وإذ يتم وضع هذا المطلب الألفبائي ضمن السياق التاريخي، فإن ثمة مفارقة لا يمكن تجاهلها، لأن الكرد لم يصلوا إلى هذه المطالبة من موقع ثقافي ضيق، وإنما من خلال مشاركة فعلية في حماية المجال السوري خلال سنوات الانهيار، بل ومنذ تأسيس سوريا وقبل ذلك. فقد كانت ولا تزال مناطقهم خطوط مواجهة مفتوحة، ولم يتوانوا عن تقديم أية تضحيات جسام دفاعاً عن مكانهم وبلدهم وشركائهم. ولهذا فإن الاعتراف الجزئي يصبح أقل شأناً من مستوى الاستحقاق، لأن أية دولة تتأسس من حقها أن تستفيد من تضحيات مواطنيها، يفترض عليها أن تُقرّ مساواة كاملة بين كل مكوّناتها، لا أن تمنح بناة وحراس خريطتها حقوقاً ضئيلة، إذ يتوهّم أولي القرار أنهم يقدّمون للكرد هبة أو مكرمة، من دون أن يعلموا أنهم يبخسونهم أبسط حقوقهم القومية.
وهكذا فإن المراقب العادي يستنتج في منتهى البساطة أن المشكلة تبدو في مخيال السلطة الجديدة سياسية موروثة عن سابقاتها قبل أن تكون لغوية. إذ إن السلطة حين تتعامل مع اللغة كملف قابل للمساومة فإنها تنقلها من دائرة الحق إلى دائرة التفاوض. لذلك يأتي المرسوم كحل وسط يهدف إلى تخفيف الضغط وإرسال إشارات إيجابية من دون المساس بالهيكل المركزي للدولة. هذا الأسلوب يجعل الحقوق امتيازات قابلة للسحب في أية لحظة، كما أُعطيت في إطار الهبة لا الاستحقاق المتأخر في حدوده الدنيا. ومن هنا يتولّد الإحساس بأن حقوق اللغة تُمنح بالقطّارة، وأن كل خطوة تحتاج إلى جولة جديدة من المطالبة.
يزداد هذا الإحساس مرارة عند الانتقال إلى قرار وزير التربية الذي صدر اليوم 16 كانون الثاني (يناير) 2026. هذا القرار يحوّل الكردية إلى مادة اختيارية بعدد محدود من الحصص، ويضع نتيجتها خارج حساب النجاح والرسوب، حيث تُقدَّم كمجال ثقافي لا كمادة أساسية، لاسيما أن المدرسة بطبيعتها تمنح القيمة لما يدخل في إطار التقييم. كما أن الطالب في مختلف الصفوف الدراسية يركّز على ما يحدّد انتقاله من صف إلى آخر، ناهيك عن أن الأسرة ذاتها تشجّع الطالب نحو ما يرسم مستقبله الدراسي، ما يؤكد أن استبعاد علامة المادة رسمياً يقلّل من أهميتها وهيبتها وقدرها، في إطار إعلان الحرب عليها كمادة نافلة لا أكثر.
ومن هنا تظهر مفارقة تربوية واضحة. الطالب قد يرسب في لغة ليست لغته الأم وتُحتسب علاماتها بدقة، بينما لغته التي تشكّل وعيه اليومي لا تدخل في أي حساب. هذا الترتيب يرفع لغة السلطة إلى مستوى المصير الدراسي ويخفض لغة الطالب إلى مستوى الهامش. هكذا تتحوّل الكردية عملياً إلى كورس ترفيهي أو وقت إضافي يمكن الاستغناء عنه عند أول ضغط جدولي، من خلال التعامل معها على أنها لغة نافلة لا تؤثر في نيل الشهادة ولا يمكن أن تتحوّل إلى كفاءة حقيقية. النتيجة المتوقعة ستصب في إطار معرفة سطحية وحضور شكلي، ثم انحسار تدريجي، ليُقال غداً إن أبناءكم وبناتكم لا يكترثون بتعلّم لغتهم الأم.
تأسيساً على ذلك يتشكّل نموذج تعليمي رمزي: حصتان أسبوعياً، كتاب خاص، معلّم مؤقت، ومادة يمكن إلغاؤها بسهولة. هذا النموذج لا يبني جيلاً قارئاً ومنتجاً ومبدعاً بلغته، وإنما يشكّل علاقة عابرة معها. بينما يفترض في أي مشروع جاد أن تبدأ الكردية من الصفوف الأولى، وأن تدخل القراءة والكتابة والعلوم والأنشطة، وأن تكون جزءاً من الحياة المدرسية اليومية لا هامشاً ملحقاً.
وحيث يُضاف إلى ذلك إعلان النوروز عطلة وطنية تتكشّف مفارقة أخرى. الاعتراف بالمناسبة يبدو خطوة إيجابية، غير أن النوروز في الوعي الكردي عيد قومي قبل أي توصيف إداري، وأن تحويله إلى يوم عطلة من دون تثبيت الحقوق اللغوية والتعليمية يجعل الاعتراف شكلياً. الاحتفال بيوم واحد أسهل من تعديل المناهج والأنظمة. من هنا يبدو المشهد مقلوباً، مناسبة تُرفع إلى مستوى الدولة بينما لغة المناسبة تُترك خارج الصف، لتسبق الرمزية العدالة المؤسسية المتوخّاة.
ما أريد توضيحه أكثر أنه يغيب عن النقاش، في هذا الصدد، جانب يتصل بالأثر التراكمي داخل وعي الطالب ذاته، حيث لا يقتصر الأمر على عدد الحصص أو موقع المادة في الجدول، وإنما يمتد إلى الرسالة الضمنية التي تبنيها المؤسسة التعليمية. إن المدرسة لا تقدّم منظومة المعارف فقط، بل تُنتج سلّماً للقيمة يحدّد ما هو مهم وما هو ثانوي. حين تُعامل لغة الطالب كخيار يمكن تجاهله، بينما تُفرض عليه لغة أخرى بوصفها معيار النجاح والانتقال، فإن المؤسسة تزرع داخله انقساماً مبكراً بين ما يعيش به وما يُحاسَب عليه. هذا الانقسام لا يبقى تربوياً فحسب، وإنما يتحوّل إلى شعور دائم بأن المجال العام لا يتّسع له كاملاً. وهكذا تتشكّل مسافة نفسية بين المواطن والدولة. الطالب يتعلّم منذ الصغر أن لغته صالحة للبيت والذاكرة، وليست صالحة للمدرسة والإدارة. من هنا لا يتولّد في لا شعوره بل وفي شعوره ضعف لغوي فقط، بل يتولّد ضعف الانتماء أيضاً. إذ إن اللغة حين تُستبعد من الفضاء الرسمي تُستبعد معها الثقة. اعتماداً على ذلك يصبح قرار التهميش التعليمي قراراً سياسياً بعيد الأثر، لأنه يصنع جيلاً يشعر بأن حضوره مشروط لا أصيل، وأن حقه مؤجّل غير معتنى به.
اعتماداً على ذلك لا يمكن بناء ثقة حقيقية عبر حلول جزئية. اللغة ليست بهرجة ثقافية فائضة يمكن أن تكون اختيارية تعليمياً، وإنما أداة مساواة. فالطفل الذي يتعلّم بلغته يشعر في قراراته بأنه شريك كامل لقرينه في الوطن، أما حين تُعامل لغته كملحق فإنه يتلقى رسالة مبكرة مفادها أن مكانته أدنى. القضية هنا تتجاوز التعليم إلى سؤال عدالة الوجود والحقوق.
من هنا تبرز الحاجة إلى توسيع المرسوم بنصوص واضحة تجعل الكردية لغة ثانية معتمدة، وتُدرجها في التعليم إلزاماً لا اختياراً، وتثبّت حضورها في الإدارة المحلية والوثائق العامة. وهكذا تنتقل المسألة من دائرة المجاملة إلى دائرة الحق. إذ إن الحقوق التي تأتي بالتقسيط تفقد معناها، واللغة التي تُعامل كدرس إضافي لا يمكن أن تتحوّل إلى ركيزة مواطنة. وعندما تتحقّق المساواة فعلاً يصبح الاعتراف طبيعياً لا منّة، ويصبح الاحتفال بعيد النوروز تعبيراً عن واقع عادل لا تعويضاً رمزياً عنه.
وما إن تُجمع مفردات هذه الوقائع ضمن نسق رهن المعاينة، يتّضح أن المشكلة لا تتعلّق بإجراء إداري ثانوي، وإنما بخيار سياسي مدروس متكامل. فالاعتراف الذي لا ينعكس في المدرسة والإدارة يبقى حالة رمزية شكلية، واللغة التي لا تدخل قاعة الامتحان ولا تؤثّر في النتيجة والمصير الدراسي تبقى نشاطاً جانبياً. كما أن العيد الذي يُعترف به من دون تثبيت حقوق حامليه يتحوّل إلى مناسبة عابرة. وهكذا يستمر منح الحق بالتقسيط، نقطة إثر نقطة، بينما ينتظر شعب كردي كامل مساواة واضحة غير قابلة للبازار أو المساومة. لذلك فإن المطلوب هو انتقال متكامل غير جزئي من منطق السماح إلى منطق الإلزام، ومن المجاملة إلى التشريع، إذ إن اللغة أكبر من أن تكون ملفاً ثقافياً مؤقتاً، وإنما هي حق مواطنة كامل، وما إن تُعامل على هذا الأساس من الشفافية والوضوح تستقيم العلاقة بين الدولة ومواطنيها ويغدو الاعتراف واقعاً ملموساً لا مجرد تحبير.


