: آخر تحديث

مأزق انتخاب الرئيس في العراق

2
3
3

يمرّ العراق اليوم بمأزق انتخاب رئيس الجمهورية والحكومة، الذي لم يعد مجرد استحقاق دستوري مؤجل، بل تحوّل إلى عنوان أوسع لأزمة التوافق، وانسداد الأفق، وتعثر تشكيل الدولة في لحظة إقليمية ودولية حساسة. فمع تعثر جلسات البرلمان المتتالية، وتعقّد التفاهمات بين الكتل، بات المشهد يعكس بوضوح هشاشة النظام السياسي القائم على المحاصصة، وعجزه عن إنتاج حلول مستقرة في الأوقات الحرجة.

تأتي هذه الأزمة متزامنة مع مفاوضات شاقة حول تسمية رئيس الوزراء المقبل، وفي ظل ضغوط أميركية متصاعدة للإسراع بتشكيل حكومة عراقية "غير خاضعة لنفوذ الميليشيات"، بحسب التصريحات الأخيرة الصادرة عن مسؤولين أميركيين، والتي ربطت بشكل مباشر بين الدعم الدولي للعراق وقدرته على إنتاج سلطة تنفيذية قوية ومتماسكة. وهنا لا يبدو مأزق الرئاسة منعزلًا عن سياقه، بل يشكّل حلقة أساسية في سلسلة انسدادات دستورية متراكمة، تبدأ من البرلمان ولا تنتهي عند تشكيل الحكومة.

في التجربة العراقية بعد 2005، لم يعد انتخاب رئيس الجمهورية إجراءً بروتوكوليًا بقدر ما أصبح مفصلًا سياسيًا حساسًا، لأن هذا المنصب يمثّل بوابة العبور إلى تكليف رئيس الوزراء وتشكيل السلطة التنفيذية. وكل تأخير فيه يعني عمليًا إطالة عمر حكومة تصريف الأعمال، وتعميق الفراغ السياسي، وترك الدولة في حالة شلل إداري واقتصادي وأمني، في وقت تتزايد فيه التحديات الداخلية والضغوط الخارجية معًا.

لكن ما يميّز الأزمة الحالية ليس مجرد تعقيدها، بل توقيتها أيضًا. فالعراق يقف عند تقاطع إقليمي ملتهب، وضغوط دولية متزايدة، واحتقان داخلي ناتج عن أزمات معيشية مزمنة، وتراجع الثقة الشعبية بالطبقة السياسية. وفي مثل هذا السياق، لم تعد الخلافات حول الأسماء أو المناصب شأنًا نخبويًا، بل باتت تمسّ مباشرة حق المواطن في دولة مستقرة، وخدمات منتظمة، وأفق سياسي يمكن التعويل عليه.

المفارقة أن النظام السياسي الذي تأسس على فكرة "التوازن بين المكونات" بات اليوم يواجه صعوبات داخل كل مكوّن نفسه. فالسنة، بعد إعادة انتخاب هيبت الحلبوسي رئيسًا للبرلمان، وجدوا أنفسهم وقد حسموا استحقاقهم الأساسي، لكنهم بقوا في موقع المراقب لمسار التفاهمات الأكبر، مدركين أن استمرار الانسداد في ملف الرئاسة والحكومة سينعكس على مجمل المشهد السياسي. وبالرغم من محاولات بعض القيادات السنية لعب دور الوسيط، إلا أن تأثيرهم يبقى محدودًا بحكم تعقيدات التوازنات الوطنية.

أما في البيت الشيعي، فتبدو الصورة أكثر تشابكًا. فالقوى المنضوية في الإطار التنسيقي لا تزال متمسكة بحقها في تسمية رئيس الوزراء، لكنها تواجه اختلافات داخلية حول الشخصية الأنسب، في ظل ضغوط دولية واضحة لاستبعاد بعض الأسماء المثيرة للجدل. وهنا يتحول منصب رئاسة الحكومة إلى استحقاق معقّد يتداخل فيه الداخلي بالخارجي، ما يزيد من صعوبة الوصول إلى تسوية سريعة.

وفي الموقف الكوردي، يبرز التحدي في التوصل إلى اتفاق موحّد بين القوى الرئيسية حول مرشح رئاسة الجمهورية، وهو أمر اعتاد عليه المشهد السياسي العراقي في أكثر من محطة سابقة. هذا التباين لا يعكس بالضرورة أزمة عميقة بقدر ما يعكس طبيعة التنافس السياسي داخل البيت الكوردي، الذي يحتاج في هذه المرحلة إلى مزيد من التنسيق الداخلي لتقوية الموقف التفاوضي في بغداد، والمساهمة في تسريع حسم الاستحقاق الدستوري ضمن إطار الشراكة الوطنية.

وسط هذه التجاذبات، يقف المواطن العراقي خارج المعادلة الفعلية. فبينما تنشغل القوى السياسية بالمفاوضات والمناورات، تستمر أزمات الكهرباء، والبطالة، والخدمات، والرواتب، دون حلول جذرية. ويتحوّل الدستور، الذي كُتب ليكون عقدًا اجتماعيًا ضامنًا للاستقرار، إلى نصّ معطّل بفعل الحسابات السياسية الضيقة. وهنا لا يعود السؤال: من سيكون رئيس الجمهورية؟ أو من سيكون رئيس الوزراء القادم؟ بل: أي دولة يمكن أن تُبنى في ظل نظام عاجز عن إنجاز أبسط استحقاقاته الدستورية في وقتها المحدد؟

وفي ظل هذا الانسداد المتكرر، تبرز الحاجة إلى ما هو أبعد من التفاهمات الجزئية والصفقات المؤقتة، نحو عقد مؤتمر وطني جامع يضمّ القوى السياسية الأساسية وممثلين عن المجتمع المدني والنخب الأكاديمية والاقتصادية، بهدف إعادة فتح ملفات الخلاف الكبرى، ومراجعة قواعد الشراكة، ووضع خارطة طريق واضحة للاستحقاقات الدستورية المقبلة. مثل هذا المؤتمر يمكن أن يشكّل مظلة سياسية وأخلاقية لإعادة بناء الثقة بين المكونات، ونقل العملية السياسية من منطق إدارة الأزمات إلى منطق معالجتها من جذورها.

وهنا يبرز خطر الأزمة الراهنة لا في تأجيل انتخاب الرئيس بحد ذاته، بل في ترسيخ منطق التعطيل كوسيلة للتفاوض، وتحويل النصوص الدستورية إلى أوراق ضغط، بدل أن تكون مرجعيات حاكمة. فكلما تعثّر الاستحقاق، ازداد شعور المواطن بأن الدولة رهينة تفاهمات النخب، لا مؤسسات القانون، وأن الشرعية لم تعد تُستمد من صناديق الاقتراع، بل من غرف التفاوض المغلقة.

في هذا السياق، يصبح التوافق السياسي شرطًا أساسيًا لاستعادة المسار الدستوري، وبناء حكومة قادرة على إدارة الدولة في لحظة مفصلية. فالعراق اليوم لا يحتمل سلطات معلّقة ولا مؤسسات مشلولة، بل يحتاج إلى تفاهم وطني واسع، قد يكون المؤتمر الوطني الجامع مدخله الطبيعي، لإعادة الاعتبار للدستور، وتقوية الشراكة بين المكونات، وفتح الطريق أمام دولة أكثر استقرارًا وقدرة على خدمة مواطنيها.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.