في عالمٍ أثقلته الجدية وصراعات الحياة، تبقى بعض اللحظات الصغيرة بين الأصدقاء القدامى كنزًا لا يبهت. لحظات لا تُقاس بقيمتها الظاهرة، بل بما تختزنه من ودٍّ وذاكرةٍ ومنافسةٍ نظيفة.
حديثٌ دار بيني وبين أخي ورفيق دربي د. علي الغامدي – الأستاذ السابق في كلية الآداب بجامعة الرياض – حول ذكريات تقدّمنا معًا إلى وزارة الخارجية عام 1969، كشف عن جوهر العلاقة التي تجمعنا: ذاكرةٌ ظريفة، ومنافسةٌ شريفة، تخلقان أُخوّةً لا تتبدّد.
كنت قد كتبتُ تغريدة أستعيد فيها تلك المرحلة، وكيف تقدّمتُ للعمل في وزارة الخارجية بعد تخرّجي من قسم العلوم السياسية عام 1969، وكان بين المتقدّمين صديقي الغامدي. وسُئلت في الامتحان الشفوي:
«ماذا يعني المثل: يد واحدة لا تصفّق؟»
أجبت – بحماسة شاب حديث التخرج – بمثال حرب حزيران 1967، حين دخلت مصر المواجهة شبه منفردة، بينما بقيت أكثر من عشرين دولة عربية خارج دائرة الفعل، فكان التصفيق بيد واحدة... وحدث ما حدث.
تم اختياري واختيار الصديق الغامدي لوظيفة «ملحق سياسي». لكن المفارقة الطريفة جاءت لاحقًا، حين استضافني السفير عباس فائق غزاوي – رحمه الله – في تونس، وكنتُ وقتها وكيلًا لوزارة الإعلام. فذكّرني بأن اللجنة الامتحانية كانت متحفّظة على إجابتي تلك لذكرى الرئيس عبدالناصر، في وقتٍ كانت العلاقات بينه وبين الملك فيصل – رحمهما الله – متوتّرة. لكنه تدخّل قائلًا: «ما زال شابًّا متحمّسًا، والإجابة في مكانها». فكان موقفًا نبيلًا من إنسان نبيل.
المفارقة الظريفة جاءت لاحقًا، حين علّق الصديق د. علي الغامدي على التغريدة بتعليقه المعهود:
«جميل... أما أنا فلم يُمتحنّي أحدٌ وقتها امتحانًا شفويًا، وطلعتُ الأولَ عليكم!»
فكان الرد حاضرًا:
«صحيح... وأنا طلعتُ الثاني بعدك، لعلّها آثار تلك اليد الواحدة يا صديقي!»
هذه المماحكة العابرة تختزل حكاية صداقةٍ تمتد لأكثر من نصف قرن، حيث «لا يتركُ أحدُنا الآخر دون أن ينكُشه على الماشي». هذه «النكشة» ليست تجريحًا، بل لغة حبٍّ فريدة، وتأكيدٌ على متانة علاقة تسمح بالموازنة بين التقدير والمنافسة البريئة، وتذكيرٌ بماضٍ مشتركٍ صنع حاضرًا وثيقًا.
ولم تقف القصة عند هذا الحد. فقد علّق أحد المتابعين الكرام، الأستاذ عبدالإله بن سلطان العبدلي الشريف، قائلًا:
«وكأن قدرنا كعرب أن نُصفّق بواحدة! ليتنا نطبّق التعدّد في هذا المجال ».
تعليقٌ ساخر في ظاهره، عميقٌ في معناه. فهو ينقلنا من ذكرى شخصية إلى سؤال أوسع: لماذا نميل – أفرادًا ومجتمعات – إلى النموذج الواحد، والرأي الواحد، واليد الواحدة، في قضايا لا تُحلّ إلا بتعدّد الأيدي وتكاملها؟ هي إشارة ذكية إلى أهمية التنوع وقبول تعدد الآراء والمناهج، في العلاقات كما في السياسات والفكر.
التعدد، في الفكر كما في العلاقات الإنسانية، ليس ترفًا. هو شرطُ الحيوية، ومصدر الإبداع، وضمانة التوازن. وكما تثري المنافسة الصادقة بين الأصدقاء علاقتهم، فإن «النكش» الفكري البنّاء، القائم على الحوار واحترام الاختلاف، يصنع مجتمعاتٍ أكثر نضجًا وقدرةً على التقدّم.
في النهاية، ليست قصة امتحان شفوي، ولا مفاضلة بين الأول والثاني. إنها شهادةٌ على أن أجمل العلاقات تُبنى على الصدق، والذاكرة المشتركة، والمنافسة التي تضحك أكثر مما توجع. وتذكيرٌ بأن الخروج من دائرة «التصفيق بواحدة» ليس خيارًا ثقافيًا فحسب، بل ضرورة إنسانية وحضارية.
فلنحتفِ بصداقاتنا التي تشبه السجل الناصع، ولنعمل على بناء مجتمعنا على أساس الحوار التعددي البنّاء. فالحياة – في النهاية – ليست امتحانًا شفويًا واحدًا، بل رحلة طويلة نتعلّم فيها معًا، ونُصفّق – أخيرًا – بكل الأيدي.

