: آخر تحديث
عندما يهضم ابن البيت حقوق أخيه:

بطاقة بحث عن اتفاق نيسان الكردي

3
2
2

لست في مقام المرافعة عن المجلس الكردي الذي ابتعد عن حاضنته لأكثر من سبب. أولهما قفز وجوهه المهيمنة، في دواخلهم وسلوكهم، إلى تخيّل بعضهم ذواتهم في مرحلة ما بعد الثورة من دون المرور الميداني بها. ولا أقصد أبناء شعبنا الثائر في كل المراحل، وهم من بينهم، لانكفاء بعضهم على ذواتهم، والتعامل مع جماهيرهم بعين الرعية قبل أي إنجاز لهم، ما عدا المنجز الشخصي، وأركز على المفردة هنا، ثم الحزبي ثم القومي، بينما آلاف الكوادر الأكثر كفاءة منهم مهمشة، يقود بعضها شخص أمي لا يرتقي إلى مستوى التعامل حتى مع بريده الإلكتروني الشخصي أو صياغة ثلاث عبارات بأية لغة كانت، ناهيك عن عدم وجود بريد إلكتروني معلن للمجلس كله حتى الآن، على حد علمي. وإن كان سبب ديمومة هؤلاء هو أن طغمة أزلام قنديل سلطت الحرب عليهم منذ وصولهم إلى روج آفا في أول الثمانينيات، ومرورًا بلحظة بسط سيطرتهم بالسلاح على المكان وأهله، وحتى اليوم، عبر الاشتغال على إلغائهم، ضمن إطار إلغاء القضية الكردية، والإجهاز عليها، في أجزاء كردستان، نتيجة استبداد حزب العمال الإلغائي الذي اقتحم مكانه، وسعى منذ تكليفه بمهمته الجديدة، وفق اتفاقات إقليمية، لإلغاء كل التاريخ النضالي لأبناء المكان، وهويتهم، وإرث علاقاتهم الطيبة مع الكثيرين من مكونات المنطقة، وفرض ما تتفتق عنه مخيلة زعيمه السيد عبدالله أوجلان من أفكار طوباوية سقطت في مختبرها، حتى من قبل من مدت إليهم الأيدي، ليس لأن أكثر نخب هؤلاء والمؤثرين منهم ملائكة فحسب، بل هم أيضًا نتاج ثقافة استعلائية عنصرية، ترفض الآخر، لا تمتلك دعامات هذا الاستعلاء، ناهيك عن التأثيرات اللاحقة في الحقبة القوموية بعد وصول الرئيس الراحل جمال عبد الناصر إلى سدة الحكم، وانتشار أفكار كل من ميشيل عفلق وزكي الأرسوزي وصلاح البيطار وغيرهم، مما كرس التخندقات. هذه التخندقات التي لم ولا ولن تتقبل أية اختراقات لما تربت عليه، وهو ما وجدناه خلال السنوات الأربع عشرة التي أعقبت الثورة السورية، قبل أن تُوأد في مهدها، بعد محض أشهر قبل أسلمتها وعسكرتها.

ما زلت كشخص صاحب قناعات أرى أن من يمثل الكرد هم المجلس الكردي وأحزابه، وهاتيك الأحزاب التي تعود أرومتها إلى الحزب الكردي الأول الذي تأسس في العام 1957. كما إنني ما زلت أعول إلى المقاتل الكردي في تحقيق معادلة السلام، كما في بطولته في الحرب إذا ما قرعت الباب، واعتباره المدافع عن كائننا ومكوناتنا ومكاننا أكثر من سواه. بيد أنني لا أثق البتة بكل ملتزم بالفكر القنديلي، نتيجة الكثير من التجارب التي مر بها شعبنا، ولعل آخرها ما تم مؤخرًا في الوقفات التضامنية التي لا تزال تُرفع فيها صور السيد عبدالله أوجلان الذي يُعد المسؤول عن كل ما آلت وتؤول إليه أوضاع شعبنا، ليس في كردستان تركيا وحدها، بل في أجزاء كردستان كلها، وكانت كردستان سوريا ضحية وحقل تجربة قنديل، تجربته الأولى.

عندما نتحدث عن تخلي أميركا عن الكرد في تجربة روج آفايي كردستان، فإن علينا في الوقت ذاته تذكر الممهدات التي أدت إلى ذلك، وهي كثيرة، من بينها دور نظام أردوغان، هاكان فيدان، ما بعد العدواني ضد الكرد، بالإضافة إلى وصول أوجلان في إذعانه أمام هذه الآلة منذ أول ظهور له في الطائرة في أواسط شباط (فبراير) 1999، وحتى اتفاقه مع دولت بخجلي عبر بيع كردستان لقاء حريته فحسب. وما مأساة محرقة البنادق التي رأيناها عبر الفضائيات إلا ترجمة أول فصول هذا الاتفاق المدمر، ناهيك عن المال الخليجي الداعم لأبي محمد الجولاني، ومحاولة تلميع صورته ومظهره وتغيير رائحته بالعطر الأميركي في صفقة داعمة نشهد نتائجها ميدانيًا، جعلته الفاتح العربي الإسلامي أحمد الشرع، على خلاف تكوينه الزئبقي.

وكما إن روج آفا كردستان كانت مختبرًا قنديليًا فُرض على شعبنا، فإن كردستان العراق الهدف رقم 1 للطغمة المتنقلة. وإذا كنت أنقد هذه المرحلة، فإنني هنا لا أعني أيًا من كرد مكاننا ممن يعملون وسيعملون لأجل المكان نفسه بعد الآن، بعيدًا عن تأثيرات أوجلان وقنديله، وقطع كل ما يمت بأية علاقة فكرية أو روحية أو ميدانية مع هذه المرحلة الكارثية التي مُنينا بها، وكان من ضحاياها عشرات آلاف الشهداء الذين استشهدوا في قنديل قبل احتلالهم إرادة شعبنا في كردستان سوريا، وعشرات الآلاف الذين واجهوا تنظيم داعش، والميليشيات المأجورة التابعة لتركيا أو الخليج والمنضوية تحت سلطة دمشق، مشكلة ما تسمى وزارة الدفاع.

وإذ كنت أنقد دور قنديل وقادته في الجانب السلبي الذي عانت منه أجزاء كردستان، ولا سيما الإقليم وكرد سوريا، فإنني مع هذا الحزب في الدفاع عن قضيته ضمن حدوده في كردستان تركيا، بوسائله التي يرتئيها أهلنا في هذا الجزء الكردستاني المحتل، مقدرًا بحق تضحيات كل من تخرج من هذه المدرسة العسكرية وهو يدافع عن قضية شعبه الكردي، بعيدًا عن أولوية الأجلنة أو الأوبجة على القضية، ووقف مع شعبنا في مواجهة أعدائه، دواعش وميليشيات، وكان آخر هؤلاء الشهداء أحمد أوميد، ابن كركوك، الذي سنسمي أحد أعظم مؤسساتنا باسمه، ويبقى اسمه خالدًا. أي إنني أفرق بين ترجمة سياسات قنديل الحزبية الكارثية المعادية لتطلعات شعبنا، وبين كل مخلص لكردستانيته، مقاتلًا أم قياديًا غير قادر على إعلان رؤيته. وقد آن الأوان لأتباع قنديل في كردستان سوريا رفع أصواتهم، كما طلبنا منهم دائمًا، والانضواء تحت راية أحزاب أبناء المكان السابقين على ب ي د وتفرعاته المترجمة ل"ب ك ك".

ثمة ما أريد التنويه إليه، وهو أني أثق بعملقة المقاتل الكردي والقوة الكردية، وأدحض محاولات تصويرها وهي منسحبة على أن الطرف الآخر قد انتصر، بالرغم من أني لست مع ثنائية الخسارة أو النصر في الحرب، فكلا الطرفين خاسران، حتى وإن كانا عدوين لا ابني وطن وبلد. إلا أن منع أميركا استخدام أسلحة المنصات كان وراء تركها، وهو ما أستغرب كيف أن مثقفي ب ك ك لا يوضحونه ولا يردون على المغرضين.

اليوم تدخل قوات محدودة من قوات دمشق الجديدة المناطق الكردية، وهو ما يجعلنا أمام مرحلة مفصلية مهمة، بالرغم من أن يدي على قلبي ولا أثق بنوايا دمشق نتيجة رؤيتها الجهادية الفتوحاتية، واعتمادها على عناصر لا تعيش إلا على الدم والسطو. إلا أنني مؤمن أن لا سبيل أمامنا إلا العيش المشترك، ووضع حد لأبواق الفتنة، والتصرف على نحو صارم أمام من سيظل مستمرًا في تأجيج الصراع بين أبناء البيت الواحد في مناطقنا. إن ما يتم الآن ليس خيار أي طرف من طرفي السلطة، إنما هو ترجمة لحل دولي تحت رعاية أكثر من بلد. أرجو أن نستطيع جميعًا نشر الوئام وفرض السلم والأمان لكل مكوناتنا المتعايشة.

وبالعودة إلى عنوان المقال، فإن على القائمين على قيادة المجلس الكردي الاستعداد للانقلاب على نمط تفكيرهم الاعتكافي السابق نتيجة ظروف معروفة، والعمل ليكونوا حاضنة كل أبناء شعبنا، بمن فيهم أهلنا ممن كانوا في "ب ي د" وفصائله المقاتلة الشجاعة، وهم أبناء شعبنا، ليكونوا عامل الاستقرار العسكري، تحت إطار قيادة السياسي غير العسكري الذي لا يستأثر حتى في الصلح كما في الحرب برؤيته، متنكرًا لوجود شعب كردستاني مناضل سلميًا صاحب قضية يعيش فوق أرضه، قبل ولادة وانخراط السيد عبدالله أوجلان، فك الله أسره، في تعلم ألف باء السياسة ولعب دور الزعامة عبر الاستبداد والعنف.

 

ثمة مثل كردي طالما رددته أمي:
Çûké toretanî mala xwe xirakir ya min li cem danî

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.