: آخر تحديث

حميدة سميسم سيرة علم وصوت لا يشيخ

4
4
3

عند ذكر اسم الأستاذة الدكتورة حميدة سميسم، فإن الأمر يتجاوز كونه مجرد لقب أكاديمي أو سجل وظيفي، بل يثير في الذاكرة مسيرة أجيال من الصحفيين والإعلاميين العراقيين والعرب، الذين عاصروا دروسها وهم مدركون تمامًا أن ما يتلقونه ليس مجرد معلومات، بل هو منهجية تفكير، وقيم مهنية، ووجهة نظر واعية تجاه العالم.

وُلدت في مدينة النجف سنة 1943، في بيئة غنية بالثقافة والنقاش الفكري، حيث كانت الأسئلة الجوهرية تتداخل مع القيم الأخلاقية الصارمة. ومن تلك النقطة بدأت مسيرتها المعرفية، التي قادتها إلى جامعة موسكو الحكومية "لومونوسوف"، حيث حصلت على درجة البكالوريوس والماجستير والدكتوراه في الصحافة والإعلام عام 1978، متخصصة في مجالات الرأي العام والدعاية.

لم تكن موسكو مجرد محطة أكاديمية، بل كانت مساحة فكرية ساعدت في تطوير أدواتها التحليلية وتعميق رؤيتها النقدية للعلاقة المعقدة بين الإعلام والسلطة والوعي العام. عادت إلى العراق حاملة رؤية واضحة، إنشاء إعلام علمي وذو طابع نقدي ومسؤول.

وقد شغلت منصب أستاذة جامعية تجمع بين الصرامة العلمية وقدرتها على اكتشاف القدرات الواعدة في الطلاب. قامت بتدريس مواد الصحافة والإعلام لطلبة البكالوريوس والدراسات العليا، وأشرفت على العديد من رسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه، وشاركت في لجان المناقشة الأكاديمية في جامعات عراقية وعربية، بدءًا من بغداد وصولًا إلى عمّان، ومن الرباط وحتى صنعاء.

لم يقتصر إشرافها على كونه نشاطًا إداريًا، بل كان شراكة فكرية تعلّم الطلاب أهمية السؤال قبل الكتابة والشك قبل التصديق. عندما تولت عمادة كلية الإعلام بجامعة بغداد، كان مكتبها يختلف عن باقي المكاتب، لم يكن مكانًا يبعث على الهيبة الشكلية، بل كان فضاء مفتوحًا للأستاذة والطلاب. معظم من تواجد في ذلك المكان كانوا طلابًا لها في مرحلة ما، مما جعل العلاقة قائمة على الاحترام المعرفي بدلًا من السلطة الإدارية.

كانت تؤمن بأن الإعلام لا يمكن إنتاجه في الغرف المغلقة، لذا دفعت طلابها للعمل في الصحف والإذاعات والتلفزيونات، وتابعت تدريبهم بنفسها، مدركة أن المهنة تُكتسب من الممارسة تمامًا كما تُفهم من خلال الكتب. إضافة إلى التدريس، كانت باحثة بارزة، وقد عملت في مجالات الإعلام الأخطر والأكثر حساسية مثل الشائعات، والحروب النفسية، والدعاية، والإرهاب الإعلامي، وغسل الدماغ، والتضليل.

تحولت مؤلفاتها، وخاصة كتابي "الحرب النفسية" و"نظرية الرأي العام"، إلى مراجع أساسية تُدرّس في كليات الإعلام داخل العراق وخارجه. لم تقتصر كتاباتها على الوصف، بل كانت تفكك البنى العميقة للخطابات الإعلامية وتكشف عن الآليات الخفية التي تؤثر على الوعي وتوجه السلوك.

كان لديها قدرة مميزة على التنقل بين الثقافات في الأكاديميا العربية. تمكنت من إتقان اللغات العربية والروسية والإنجليزية، مما جعل من اللغة وسيلة للفهم وليس عائقًا، فأسست جسرًا معرفيًا يربط بين المدارس الإعلامية الشرقية والغربية، وساهمت في تحديث المناهج الإعلامية العربية دون التقليد الأعمى أو الانقطاع عن الخصوصية الثقافية.

بعد عام 2003، تعرضت مثل العراق لزلازل عنيفة. حاولت أن تصمد وتستمر في دورها بالتعليم ونقل الخبرات، لكن الرياح كانت أقوى من أن تُحتمل، مما دفعها إلى الرحيل. مع ذلك، لم تغادر تأثيرها، حيث بقيت حاضرة في أذهان طلابها، وفي مؤلفاتها، وفي صوتها الهادئ الذي يعرف متى يتحدث ومتى يستمع.

التقيت بها في بداية السبعينات عندما كانت أستاذة في قسم الإعلام، وأنا كنت طالبًا في قسم الاجتماع. في تلك الفترة، جمعتنا الصحافة مبكرًا، ليست كمهنة فحسب، بل كهم علمي وأسئلة كبيرة تتعلق بالمجتمع والوعي ودوره. لكن معرفتي العميقة بها بدأت بعد عودتي من الخارج، حاملًا درجة الدكتوراه في الإعلام، حين أصبحت زميلًا لها في القسم نفسه.

في حرم الجامعة وأثناء النقاشات، تبادلنا العديد من الأفكار والمحادثات، خصوصًا في لجنة الدراسات العليا، حيث كانت المناقشات تتجاوز الأبعاد الأكاديمية لتتناول قضايا المنهج والرؤية العلمية والمبادئ الأخلاقية. كانت امرأة تتسم بالنبل، حريصة على مشاركة معرفتها بسخاء مع الطلاب، وهي تقتنع بأن العلم يجب أن يُعطى لا أن يُحتفظ به.

كثيرًا ما أشعرتني بثقتها بقدراتي الأكاديمية، خاصة بعد أن بدأت المؤسسات الحكومية المهمة تطلب مشورتي في الدورات التدريبية والبرامج المتخصصة، إذ كانت ترى نجاح زملائها امتدادًا لنجاح الأفكار بدلًا من منافسة شخصية.

بعد مرور عدة سنوات، التقيت بها في الأردن، فوجدتها كما عهدتها، ودودة وكريمة ومهتمة بالتفاصيل الإنسانية. إذ حرصت على دعوتي أنا وزوجتي لتناول إفطار لذيذ في مطاعم عمّان، مما يعكس دفئها وإخلاصها في العلاقات.

وعلاوة على معرفتها، كانت وفية لزملائها، تحافظ على تواصلها معهم مهما كانت المسافات بعيدة. لا أستطيع نسيان مكالمتها لي حين كنت في الإمارات، حيث طلبت مني العمل في جامعة الشرق الأوسط بدعوة من رئيسها حينها، لكنني اعتذرت لأنني كنت مشغولًا بوظيفتي كعميد لكلية الإعلام في جامعة عجمان، مقر الفجيرة. بالرغم من ذلك، بقيت أواصر الود قائمة والاحترام متبادلًا، كما هو الحال دائمًا، موجودة في الذاكرة، وثابتة في المواقف، وذات تأثير عميق.

الزميلة حميدة ليست فقط أستاذة جامعية متقاعدة، بل هي رمز حي في مجال الإعلام ومرجع فكري لا يزال يضيء طريق الباحثين في مواضيع الرأي العام والدعاية والإعلام السياسي. هي من الشخصيات التي تذكرنا بأن العلم ليس ترفًا بل مسؤولية أخلاقية، وأن الإعلام، إذا تم استيعابه بشكل عميق، يصبح أحد الدفاعات الأساسية لوعي المجتمع.

في مكالمة هاتفية بدت عابرة في شكلها، عميقة في أثرها، لم تُسهب ولم تُفسّر، بل تركت للعبارة أن تقول كل شيء. قالت بصوت هادئ يشي بما لا يُقال: كنت يومًا أستمع إلى بيتهوفن، أما الآن فأُنصت إلى "عذّبني زماني".

وكانت تلك الجملة وحدها مرآة عمر كامل، من بهاء النغمة الكلاسيكية المتماسكة إلى انكسارات اللحن الشعبي المثقل بالوجع، من صفاء القاعات الأكاديمية إلى ضجيج الحياة حين تختبر صبر الإنسان. لم يكن تحوّلها خيانة للجمال، بل ارتقاء آخر إليه، جمال تعلّم الإصغاء للألم، وفهم أن الموسيقى ليست ما يُسمَع فقط، بل ما يُحتَمَل.

لقد أعطت للوطن من قوتها، ومنحته زمنها وصوتها ووعيها، وحين ضاق الإيقاع من حولها لم تنكسر، بل تعلّمت أن تُصغي لوجع الناس كما تُصغي لنفسها، وأن تقف في مواجهة التحديات بصلابة هادئة، لا تصرخ، بل تظل شاهدة، شاهدة على أن الروح حين تتعب لا تفقد نبالتها، بل تعمّقها.

وإن عذّبها الزمان بأظفار جهلته الفظة، فالوطن وطلبتها وزملاؤها يحتفظون بها في ذاكرتهم إنسانة سامقة في سماء العلم، ومشرقة في دروب الحياة الكريمة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.