لا تخطئوا التشخيص.
جيفري إبستين لم يكن منحرفًا ثريًا سقط في لحظة انكشاف، ولم يكن مجرد رجل سيّئ الحظ اصطادته العدالة متأخرة. إبستين كان وظيفة، كان مؤسسة ظل، كان غرفة عمليات تُدار فيها النخب كما تُدار الدمى.
العالم لم يُصدم لأن طفلة انتهكت، ولا لأن جزيرة تحولت إلى مسلخ. العالم صُدم لأن القناع انزلق للحظة، فرأى الجميع وجه الحضارة الحقيقي، وجهًا أنيقًا من الخارج، متعفنًا من الداخل.
حين تُفتح ملفات إبستين لا تسأل من ظهر اسمه، اسأل السؤال الذي يخشاه الجميع: من الذي سمح له أن يوجد أصلًا؟
لأن إبستين لم يكن ممكنًا بدون رعاية. لا يمكن لرجل واحد أن يقترب من رؤساء، وأمراء، ومليارديرات، وجامعات، وأجهزة، وشركات، وطائرات خاصة، ثم يُقال لك إنه مجرد مجرم مستقل.
هذا كذب رسمي. إبستين لم يكن صيادًا فقط، بل كان أداة صيد. في السياسة الحديثة، الجنس ليس شهوة، إنه سلاح. الصور ليست ذكريات، إنها قيود. الفضائح ليست أخطاء، إنها مفاتيح.
إبستين كان بنك ابتزاز عالميًا، يُودَع فيه السقوط، وتُسحب منه الطاعة. وهنا نفهم لماذا لا تموت هذه القضية أبدًا، لأنها ليست قصة رجل، بل قصة نظام كامل بُني على فكرة واحدة: اجعل النخبة تقع، ثم اجعلها ملكك. كل اسم يظهر في الوثائق ليس مجرد ذكر عابر، إنه إشارة، إنه احتمال ضغط، إنه خيط في شبكة أكبر من القضاء وأقذر من الإعلام.
ثم يأتي التوقيت، لماذا الآن؟
هل لأن العدالة استيقظت؟
هل لأن الضمير الغربي قرر التطهر؟
لا تضحكوا على أنفسكم. العدالة لا تستيقظ فجأة في الإمبراطوريات. العدالة تُستدعى فقط حين تصبح أداة. الوثائق تُفتح عندما تتصارع الأجنحة، عندما تقترب الانتخابات، عندما يتمرد لاعب، عندما تنتهي صلاحية وجه، عندما يحتاج النظام العالمي إلى كبش أنيق يُلقى للجماهير كي تهدأ.
الفضيحة هنا ليست كشفًا، إنها إدارة غضب. إبستين ليس نهاية الشر، بل طريقة تنظيمه. الغرب لا يريد الاعتراف بالحقيقة الكبرى: المشكلة ليست إبستين، المشكلة أن إبستين كان طبيعيًا داخل هذا العالم.
حضارة ترفع شعار حقوق الإنسان، لكنها تصنع أسواقًا للطفولة. حضارة تتحدث عن التقدم، لكنها تلمّع القبح وتسميه حرية. حضارة تصرخ ضد الاستبداد، لكنها تمارس أبشع أشكال الاستعباد في الغرف المغلقة. إبستين لم يكن استثناء، كان ابنًا شرعيًا للنخبة. ولهذا فإن ما يُنشر ليس الحقيقة كاملة.
ما يُنشر هو ما يسمح به الصراع الداخلي. قائمة تُفتح، وقائمة تُغلق. اسم يُضحّى به، واسم يُحمى. وجه يُحرق، ووجه يبقى فوق القانون. هذه ليست شفافية، هذه تصفية حسابات داخل الطبقة العليا.
ولهذا أيضًا لا تبحث كثيرًا عن الأسماء في الدفعات الرسمية، لأن اللعبة نفسها تُدار من المركز الغربي، والنشر يُستخدم لخدمة صراعاته، لا لكشف العالم.
الشرق ليسوا في النص، لأن النص لم يُكتب لهم. الملفات الدولية الأوسع تُترك لوقت الابتزاز المناسب.
في النهاية، إبستين مات، لكن الملفات لم تُغلق. الجزيرة انتهت، لكن الشبكة لم تنتهِ. الرجل اختفى، لكن الوظيفة باقية.
ويبقى السؤال الأكثر رعبًا: إذا كان إبستين قد انكشف، فكم إبستين آخر يعيش الآن دون أن نعرف اسمه بعد؟


