لم يشهد الشرق الأوسط، خلال العقود الماضية، نمطًا من الإدارة الجيوسياسية يتسم بالحسم والوضوح والفاعلية كما شهده خلال مرحلة دونالد ترامب، ففي تقديري لا تعود أهمية هذه المرحلة إلى طبيعة الخطاب وحدها، بل إلى القدرة العملية على التعامل مع إقليم معقّد بوصفه ساحة توازنات واقعية، لا مجالًا للتجريب السياسي أو إدارة الأزمات المؤجلة. هذا النمط من الإدارة، القائم على أدوات واضحة ورسائل مباشرة، افتقدته المنطقة طويلًا، وهو ما جعل الفوضى تتحول إلى حالة شبه دائمة بدل أن تكون استثناءً عابرًا.
من هذه الزاوية، لا يمكن قراءة تجربة ترامب في الشرق الأوسط بوصفها مقاربة تقليدية للسلام، بل بوصفها إعادة تعريف لمفهوم الاستقرار نفسه، فالسلام، وفق هذا المنظور، لا يُبنى عبر تراكم المبادرات أو تدوير الأزمات، بل عبر فرض الانضباط، ورفع كلفة السلوك المزعزع، وإعادة ضبط الحسابات الإقليمية على أساس موازين القوة والمصلحة.
منذ اليوم الأول، أعلن ترامب الإطار الناظم لسياسته الخارجية حين قال في خطاب تنصيبه: "من هذه اللحظة فصاعدًا، ستكون أميركا أولًا". هذه العبارة لم تكن شعارًا سياسيًا عامًا، بل تحولت إلى عقيدة تنفيذية انعكست بوضوح في طريقة تعاطيه مع الشرق الأوسط، فبدل إدارة التناقضات، جرى الانتقال إلى إدارتها عبر الردع المباشر، والضغط الاقتصادي، وإعادة تعريف العلاقات والتحالفات بوصفها علاقات قائمة على الالتزامات المتبادلة لا الافتراضات التاريخية.
في الملف الإيراني، اتخذ هذا الوضوح شكلًا أكثر حدة، فلم يلجأ ترامب إلى اللغة الملتبسة أو الصيغ الرمادية، بل قال صراحة: "إيران لن تمتلك سلاحًا نوويًا أبدًا"، ثم عاد ليؤكد المعنى نفسه بقوله: "دوّنوا هذا: إيران لن تمتلك سلاحًا نوويًا". هذه العبارات، ببساطتها، عكست جوهر فلسفة الردع المعتمدة، أي إزالة الغموض، لأن الغموض في بيئة مشبعة بالأزمات لا يؤدي إلا إلى سوء التقدير وتراكم المخاطر.
اللافت، من وجهة نظري كمراقب، أن هذا المنطق لم يُطبّق على الخصوم فقط، بل شمل الحلفاء أيضًا، فقد أعاد ترامب تعريف مفهوم التحالف، منتقلًا به من إطار الالتزام المفتوح إلى إطار العلاقة التعاقدية القائمة على تبادل المصالح والكلفة. فالحماية لم تعد افتراضًا دائمًا، بل التزامًا مشروطًا، وهو تحول أنهى مرحلة طويلة من إدارة الأزمات الإقليمية دون مقابل سياسي أو استراتيجي واضح.
كذلك، في مسار الصراع العربي-الإسرائيلي، تخلّى ترامب عن القوالب التقليدية التي استنزفت الزمن دون تحقيق اختراق فعلي، وتعامل مع الملف بوصفه معادلة أمنية-سياسية تُدار عبر فرض الوقائع ثم إدارة نتائجها، لا عبر انتظار توافقات مؤجلة. وسواء اتُّفق أو اختُلف مع هذا النهج، فإنه نجح في كسر الجمود، وأعاد ترتيب الأولويات الإقليمية على أساس المصالح العملية لا الخطابات العامة.
أما على مستوى إنفاذ الرسائل، فقد اتسمت المقاربة بالتصعيد المتدرج، إذ لم يكن المسار قائمًا على التفاوض المفتوح، بل على رفع الكلفة خطوة بعد خطوة، من العقوبات إلى العزلة، وصولًا إلى توسيع أدوات إنفاذ القانون الدولي عبر لوائح اتهام ومذكرات توقيف ومكافآت مالية. وفي هذا الإطار، تُستحضَر قضية نيكولاس مادورو بوصفها مثالًا على انتقال الضغط من المجال السياسي إلى المجال القضائي، ومن الرسائل إلى الإجراءات، بما يعكس توسعًا واضحًا في أدوات التأثير الأميركية.
وفي هذا السياق، يبرز ملف قطاع غزة بوصفه الاختبار الأكثر وضوحًا لمنطق الإدارة الصارمة للصراع، فالتعامل الأميركي في مرحلة ترامب لم ينطلق من وهم إصلاح القوى المحلية، ولا من الرهان على تبدّل سلوك الفاعلين المسلحين، بل من فكرة أكثر جذرية تقوم على نزع احتكار القرار من القوى التي تدير القطاع وفق إملاءات إقليمية، وفي مقدمتها حركة حماس الإرهابية. وعليه تم إعادة تعريف غزة كوحدة تُدار دوليًا وفق شروط أمنية واقتصادية واضحة، لا كساحة مفتوحة لدورة عنف تتجدد مع كل جولة. هذا المنطق، المرتبط مباشرة بسياسة الضغط على إيران وتجفيف قدرتها على تمويل الأذرع، يسعى إلى كسر الحلقة المغلقة التي حوّلت مناطق الصراع في الشرق الأوسط إلى رهائن بيد قوى محلية مسلّحة، وإلى نقلها من منطق المقاومة الدائمة إلى منطق الإدارة الوظيفية والاستقرار المشروط.
وبلا شك، ما يميّز هذا الطرح أنه لا يقدّم نفسه كحل تجميلي أو مبادرة ظرفية، بل كرسالة جيوسياسية صريحة مفادها أن الاستقرار بات يُدار بقواعد واضحة، وأن الشرعية لم تعد تُمنح عبر السيطرة بالسلاح أو احتكار الخطاب، بل عبر الالتزام بمتطلبات أمنية واقتصادية قابلة للقياس. ومن يعجز عن الالتزام بهذه القواعد سيتم تحييده تدريجيًا، لا بالضرورة عبر المواجهة المباشرة، بل عبر نزع أدواته، وتجفيف موارده، وإخراجه من معادلة القرار. وبهذا المعنى، لم تكن مقاربة ترامب خروجًا عن السلوك الدولي، بقدر ما كانت تعبيرًا متأخرًا عن ضيق دولي متراكم من تمويل فوضى لم تُنتج، على مدى سنوات، سوى مزيد من العنف وعدم الاستقرار.
وفي المحصلة، الشرق الأوسط بات، وفق هذا المنطق، إقليمًا تُفرض فيه قواعد جديدة بوضوح لا يقبل الالتباس. فالمسألة لم تكن يومًا غياب استقرار يُمنح أو يُسحب، بل استمرار تمويل فوضى تُدار عمدًا وتُعاد تدويرها تحت عناوين مختلفة. ومن هنا، على الدول الشرق أوسطية أن تستوعب المفهوم الأميركي الجديد بوضوح تام، حيث لم يعد مقبولًا أن يدفع المجتمع الدولي كلفة فوضى تُدار عمدًا، ومن يعتمد على تدوير الإرهاب والعبث كأداة نفوذ هو من سيدفع الكلفة غالية، لا العالم.

