في التحليل الاستراتيجي، لا تُقاس لحظات السقوط بعدد الصواريخ التي تسقط، بل بعدد الأوهام التي تنهار دفعةً واحدة؛ هكذا تُقرأ المدن في لياليها الفاصلة. وفي هذا الإطار، تبدو طهران مدينةً مُثقلة بتاريخٍ من الشعارات أكثر مما هي مُحصّنة بوقائع القوة؛ نظامٌ ثيوقراطي وُلد في أواخر السبعينات، لا يزال يفكر بذهنية تلك اللحظة، ويتحرّك بأدواتها، ويقيس العالم بمقاييسها، كأن الزمن توقّف هناك ولم يمضِ.
في الحقيقة، بقاء هذا النظام لم يكن دائمًا نتيجة عبقريته، بل كثيرًا ما كان نتيجة حسابات الآخرين. فقد مثّل وجود إيران، لسنوات، عنصرًا مفهومًا في معادلات الردع الغربية؛ خصمًا يمكن التنبؤ بسلوكه، وعدوًا صاخبًا لكنه مضبوط الإيقاع؛ كان مفيدًا كخصم يمكن احتواؤه، أكثر منه خطرًا يجب إسقاطه.
غير أن التاريخ لا يحترم الأنظمة التي تعيش على تكرار الشعارات؛ فحين يتحوّل خطاب "الموت لأمريكا" و"الموت لإسرائيل" و"اللعنة على اليهود" إلى لازمة يومية، يصبح التكرار دليل عجزٍ عن إنتاج سياسة بديلة؛ وحين تُصبح العداوة عقيدة حكم، يفقد النظام القدرة على التراجع دون أن يهتزّ أساس شرعيته.
ومنذ سنواته الأولى، اعتمد النظام خطاب تعبئة قائمًا على استثارة العداء تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل واليهود، بوصف ذلك جزءًا من هويته السياسية المعلنة؛ هذا الخطاب لم يكن مجرد شعارات عابرة، بل تحوّل إلى أداة تعبئة داخلية وإطارٍ ناظمٍ للسياسة الخارجية معًا. ومع تراكم الزمن، أصبح واضحًا أن استمرار هذا النهج لا يترك مساحة حقيقية للتهدئة أو إعادة التموضع، وأن نظامًا يؤسّس شرعيته على منطق الصدام الدائم يصعب احتواؤه أو تطويعه دون كلفة متزايدة؛ ولهذا بدا لكثير من المراقبين أن التعامل مع هذا النموذج كان يستدعي، منذ وقت مبكر، سياسات ردعٍ واحتواء أكثر صرامة قبل أن تتراكم تداعياته على الشرق الأوسط.
لكن السؤال المنطقي هنا: إذا كان النظام بهذه الهشاشة البنيوية، فلماذا لم يسقط منذ سنوات؟ الجواب أن نظام الملالي استفاد طويلًا من توازن دقيق؛ هناك خصوم لا يريدون إسقاطه بالكامل خشية الفوضى، وبيئة داخلية تخشى المجهول أكثر من استمرار الواقع، وقدرة دائمة على تحويل أي ضغط خارجي إلى أداة تعبئة داخلية. هذا التوازن هو ما أطال عمره، لا قوّته الذاتية.
لكن الأنظمة لا تسقط لأنها ضعيفة فقط، بل لأنها ترتكب خطأ تقدير كبيرًا في لحظة خاطئة، وبالنسبة لإيران، لا يتمثّل هذا الخطأ في فعلٍ واحد، بل في تراكم قرارات وتصعيدات متزامنة غيّرت قواعد الاشتباك دفعةً واحدة. فاستهداف دولة إسرائيل مباشرةً بالصواريخ والطائرات المسيّرة، في سابقة غير معهودة، كسر قاعدة الحرب بالوكالة التي اعتاد عليها الإقليم لسنوات. ودفعُ الأذرع المسلحة المرتبطة بطهران إلى توسيع نطاق الهجمات على إسرائيل نقل الصراع من ساحات جانبية إلى اشتباك متعدّد الجبهات.
وفي الوقت نفسه، رفع مستوى التخصيب النووي في تحدٍّ علني حوّل الملف من مسار دبلوماسي مؤجّل إلى ملف أمني عاجل في نظر خصومها. أما التعامل القاسي مع الاحتجاجات الداخلية، فقد أضعف الجبهة الداخلية في اللحظة نفسها التي كان النظام يوسّع فيها المواجهة خارج حدوده. كل خطوة من هذه الخطوات كان يمكن للنظام أن يتحمّل تبعاتها منفردة، لكن اجتماعها في توقيت واحد هو ما شكّل خطأ التقدير الكبير الذي يضع الدولة في زاوية يصعب الخروج منها عند أول صدمة حقيقية. وقد عبّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن هذا المنطق بوضوح حين قال في تصريح نقلته وكالة رويترز في أبريل 2025: "إيران لا يمكن أن تمتلك قدرة نووية… والخيارات تشمل استجابة صارمة، والوقت ينفد". وعندما حذّر المرشد الإيراني علي خامنئي من أن أي هجوم أميركي قد يُشعل حربًا إقليمية، ردّ ترامب بعبارة لافتة: "سنكتشف إذا كان على حق".
سيناريو "ليلة سقوط طهران"، إن وقع، سيبدأ من هنا؛ ضربة مركّزة لمراكز القيادة، شلل في غرف العمليات، وتعطيل شبكات الاتصالات العسكرية؛ فإصابة المواقع الدفاعية ومراكز الاتصالات بالشلل تعني عمليًا أن القيادة تفقد قدرتها على رؤية الميدان قبل أن تفقد قدرتها على القتال. ومع تعدّد مراكز القرار داخل الدولة، بين المؤسسة الدينية، والأجهزة الأمنية، والحرس الثوري الإيراني، والبيروقراطية المدنية، يتحوّل التأخير في القرار إلى عامل حاسم. في هذه اللحظة تحديدًا، لا يحتاج الخصم إلى مزيد من الضغط، لأن النظام يبدأ بالانهيار من داخله.
بلا شك، سيناريو ليلة سقوط طهران ليس قصة صواريخ، بل نقطة تحوّل كبرى ستُخلِّف تداعيات واسعة تتجاوز حدود إيران نفسها؛ فبانهيار نظام الملالي الثيوقراطي ستُعاد صياغة توازنات القوى في الشرق الأوسط، وستجد شبكات النفوذ المرتبطة به نفسها بلا مركز قرار أو تمويل أو توجيه.
وستنفتح ملفات طال تجميدها في أكثر من ساحة، من لبنان إلى العراق واليمن، حيث سيتغيّر ميزان القوة الداخلي تلقائيًا مع غياب المظلّة الإيرانية؛ كما سيُعاد ترتيب حسابات الأمن والطاقة والممرات البحرية في المنطقة، لأن أحد أهم مصادر التوتر الدائم سيتوقّف فجأة. عندها لن يكون الحدث سقوط نظام ديكتاتوري فاشل فحسب، بل بداية مرحلة سياسية جديدة تُعيد رسم الخريطة الاستراتيجية للشرق الأوسط بأكمله.

