: آخر تحديث

مسقط عاصمة التوازن وصناعة جسور التفاهم الإقليمي

0
1
1

تشهد المنطقة حراكاً دبلوماسياً متسارعاً في ظل تحوّلات سياسية وأمنية تعيد تشكيل معادلات التوازن الإقليمي، وتبرز محادثات مسقط كواحدة من أهم المحطات التي تعكس إدراك الأطراف الإقليمية لأهمية الحوار كخيار استراتيجي لمعالجة الخلافات وتعزيز الاستقرار. ولم يكن اختيار العاصمة العُمانية مسقط لاستضافة هذه المحادثات وليد الصدفة، بل امتداداً لدورٍ دبلوماسي راسخ رسّخته سلطنة عُمان عبر تاريخها السياسي الحديث.

لقد نجحت مسقط في ترسيخ مكانتها كمنصّة موثوقة للحوار الإقليمي، مستندة إلى سياسة خارجية تقوم على الحكمة والحياد الإيجابي والانفتاح على مختلف الأطراف. وقد أسهم هذا النهج في تعزيز الثقة الدولية والإقليمية بالدور العُماني، حيث تمكّنت السلطنة من إدارة ملفات معقّدة بحرفية دبلوماسية عالية، قائمة على تقريب وجهات النظر وتغليب الحلول السياسية على منطق التصعيد.

وفي سياق هذه المحادثات، يكتسب تصريح معالي وزير الخارجية في المملكة العربية السعودية أهمية خاصة، حيث أكّد ثوابت السياسة الخارجية للمملكة القائمة على دعم الاستقرار الإقليمي وتعزيز العلاقات الإيجابية مع دول المنطقة، بما في ذلك الجمهورية الإسلامية الإيرانية، انطلاقاً من مبدأ حسن الجوار واحترام السيادة وعدم التدخّل في الشؤون الداخلية للدول. ويعكس هذا الموقف رؤية سعودية استراتيجية تسعى إلى تحويل التفاهمات السياسية إلى مسارات عملية تُسهم في تخفيف التوتّرات وتعزيز الأمن الإقليمي.

إنَّ المشهد الإقليمي يشهد مرحلة تحوّلات تفرض على جميع الأطراف إعادة تقييم سياساتها، وفي مقدّمتها إيران التي تدرك أن المتغيّرات الدولية والإقليمية تتطلّب تبنّي سياسات أكثر انسجاماً مع متطلّبات الاستقرار الإقليمي. فدول مجلس التعاون الخليجي أصبحت اليوم منظومة سياسية واقتصادية وأمنية متماسكة، تعمل على تعزيز الاستقرار الإقليمي عبر الحوار والدبلوماسية، مع الحفاظ على ثوابتها الأمنية ومصالحها الاستراتيجية.

كما أن التقارب الخليجي – الإيراني، إذا ما استند إلى قواعد واضحة من الاحترام المتبادل وعدم التدخّل في الشؤون الداخلية، يمكن أن يفتح آفاقاً جديدة للتعاون الاقتصادي والسياسي، ويُسهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي في ظل التحدّيات الدولية المتسارعة، خاصة في مجالات أمن الطاقة والتجارة الدولية والتنمية الاقتصادية.

وتؤكّد محادثات مسقط أن دول المنطقة باتت أكثر إدراكاً لأهمية الدبلوماسية كخيار استراتيجي لإدارة الأزمات، وأن لغة الحوار قادرة على تحقيق نتائج مستدامة تتجاوز منطق الصراع. كما تعكس هذه المحادثات حرص دول مجلس التعاون على تعزيز دورها كمنظومة إقليمية فاعلة تسعى إلى تحقيق الأمن والتنمية لشعوبها، وترسيخ مكانة الخليج كمنطقة استقرار وشراكة اقتصادية مؤثّرة في النظام الدولي.

إن اختيار مسقط لاستضافة هذه الحوارات يحمل رسالة سياسية عميقة تؤكّد أن المنطقة تمتلك أدواتها الذاتية لصناعة التفاهمات وبناء التوازنات الإقليمية بعيداً عن التصعيد، كما يعكس ثقة الأطراف المختلفة في قدرة الدبلوماسية العُمانية على إدارة الحوارات الحسّاسة بروح الحكمة والمسؤولية.

وفي ظل هذه التطوّرات، تؤكّد المملكة العربية السعودية وشقيقاتها في مجلس التعاون تمسّكها بنهج السلام والاستقرار، مع الحفاظ على أمنها ومصالحها الاستراتيجية، في رسالة واضحة بأن مستقبل المنطقة يُبنى على الحوار والتفاهم، وأن الاستقرار الإقليمي مسؤولية مشتركة تتطلّب تعاون جميع الأطراف لتحقيق الأمن والتنمية والازدهار لشعوب المنطقة.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.