: آخر تحديث

المتغطي بالأميركان ندمٌ مؤجّل

0
0
0

يقول المثل الشعبي الذي يتردّد صداه اليوم بقوة في أروقة السياسة السورية "المتغطي بالأميركان عريان"، لم تكن هذه المقولة يوماً مجرّد تهكّم سياسي، بل هي "قانون طبيعي" في العلاقات الدولية أثبتته الوقائع من سايغون وكابول وصولاً إلى تعقيدات المشهد السوري في عام 2026، إنها قصة البحث عن مشروعية تحت مظلة قوى كبرى لا تؤمن إلا بلغة المصالح المتبدّلة، وتجيد فنّ التخلّي في اللحظات الحرجة.

تكمن المعضلة الكبرى لدى القوى المحلية الناشئة، وفي مقدّمتها "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، في تحويل الاعتراف الأميركي المؤقّت إلى شهادة ميلاد سياسية وشرعية دولية مطلقة، لكن القراءة المتأنّية للبراغماتية الأميركية تكشف أن واشنطن لا تمنح "شرعية" بالمجّان، بل تقدّم ما يمكن تسميته بـ "عقود الاستئجار الوظيفي". فعندما تستمدّ سلطة ما قوّتها من الخارج وتتجاهل "الحاضنة الوطنية" أو التوافق الإقليمي، فإنها تضع رقبتها تحت مقصلة "المصالح القومية العليا" للدولة العظمى. هذه المصالح قد تتغيّر بتبدّل الإدارة في البيت الأبيض، أو حتى بتفاهم عابر خلف الكواليس بين واشنطن وقوى إقليمية مثل تركيا.

وما جرى في أفغانستان عام 2021 كان درساً قاسياً، حيث تبخّرت "الشرعية الدولية" للنظام الأفغاني في أيام بمجرد سحب الغطاء العسكري. فواشنطن تجيد فنّ "الاستغناء" حالما تنتهي صلاحية المهمة أو تزداد الكلفة البشرية والمالية فوق حدّ العائد السياسي. وكما يعرف الجميع، أن "قسد" كانت لسنوات هي الابن المدلّل للتحالف الدولي، فاعتقدت قيادتها أن دماء مقاتليها في معارك "الباغوز" منحتها حصانة استراتيجية.

لكن عام 2025 وما تلاه شكّل تحوّلاً دراماتيكياً، فمع صعود أحمد الشرع إلى السلطة الانتقالية في دمشق، وتوجّه واشنطن لفتح قنوات اتصال معه كـ "رجل قوي" قادر على ملء الفراغ، بدأت أسهم "قسد" في التراجع. والاتفاقيات التي جرت في إسطنبول والرياض لدمج مناطق الشمال في الدولة السورية الجديدة أكّدت أن واشنطن مستعدّة للتضحية بـ "خصوصية" حليفها الكردي مقابل استقرار سوري شامل يرضي الحليف التركي ويقلّل كلفة الانخراط الأميركي المباشر.

وهنا يبرز التساؤل الجوهري حول مشروعية الرئيس المؤقّت أحمد الشرع، وهل زيارته للبيت الأبيض في أواخر 2025 كانت اعترافاً بنظام حكمه أم "تعميداً" لنموذج وظيفي جديد مطلوب منه أدوار محدّدة؟ إن رفع العقوبات والتعاون العسكري يضع السلطة الجديدة في دمشق تحت "الاختبار الدائم"، وبالتأكيد واشنطن تطلب مقابل كل خطوة "أوراق اعتماد" مستمرة، مثل التنسيق الأمني وفضّ الاشتباك وتحجيم قوى معيّنة. والتاريخ يعلّمنا أن واشنطن حين تجد "بديلاً" أكثر كفاءة أو أقل كلفة لا تتردّد في سحب البساط ممّن تنتهي مهمّته، وهذا يؤكّد لنا أن من يبني مشروعيته على رضا الخارج يظلّ دائماً في حالة قلق من "الصفقة القادمة" التي قد تتمّ على حسابه.

كي ننجو من "طابور الندم" لا بدّ من مسار بديل، وتجربة "قسد" اليوم هي مرآة لما قد يحدث لأي سلطة في دمشق إذا استمرّت في اعتبار الرضا الأميركي هو البوصلة الوحيدة. وللخروج من هذا المأزق يجب الانتقال من "الشرعية الدولية الممنوحة" إلى "السيادة الوطنية المنتزعة" من خلال المصالحة مع الجغرافيا، إذ لا يمكن لأي كيان سوري أن يستقرّ وهو في حالة صدام دائم مع جواره الإقليمي. فبناء جسور مبنية على المصالح المشتركة أقوى من أي حماية عابرة للقارات.

كما أن العقد الاجتماعي الداخلي هو الشرعية الحقيقية، والتي تنبع من قدرة السلطة على حماية الأقليات وتحقيق العدالة الانتقالية وضمان مشاركة كافة المكوّنات السورية. وعندما يكون السوريون متّفقين في الداخل يصبح من الصعب على الخارج فرض شروط الإذعان. كما أن توطين الشرعية عامل مهمّ وأساسي في ترسيخ السيادة الوطنية، إذ يجب أن يكون "قصر الشعب" في دمشق مستمداً لهيبته من صناديق الاقتراع والتوافقات الوطنية، لا من "مباركة" الخارجية الأميركية.

خلاصة القول إن الولايات المتحدة لا شكّ أنها قوّة براغماتية بامتياز، لا تعترف بالحقوق التاريخية بل بالحقائق الميدانية. والغطاء الأميركي الذي يبدو دافئاً للبعض في دمشق حالياً أصبح خفيفاً جداً في القامشلي، وقد يُسحب غداً من دمشق نفسها إذا اقتضت مصلحة واشنطن ذلك. والنجاة الوحيدة في غابة الشرق الأوسط هي أن ينسج السوريون غطاءهم من "خيوط وطنية"، فغطاء الغريب ينسحب دائماً في أكثر الليالي برداً، ومن يجعل "الاعتراف الدولي" مصدره الوحيد سيجد نفسه حتماً وحيداً في مواجهة مصير سايغون.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.