: آخر تحديث

​​​​​​​جنوب لبنان: عبء التاريخ وصراع اللغات.. هل تنتصر لغة الدولة على لغة الميليشيا؟

32
42
42

في قرى وبلدات جنوب لبنان، حيث يمتزج عبق الزعتر والزيتون برائحة بارود لم يبرد بعد، يعيش تناقض صارخ. هناك، لا يسأل المواطن عن الدولة ككيان مجرد، بل عن لغة الحياة اليومية التي تحدد مصيره. هل هي لغة القانون والمؤسسات والقضاء، أم لغة القوة والولاءات العابرة للحدود والخطوط الحمراء؟ الواقع هنا ليس مجرد مساحة جغرافية، بل هو سيكولوجيا مجتمع عاش تحت وطأة احتلال سابق وهيمنة حاضرة، مجتمع يتساءل: هل يمكن أن يعتاد لغة الدولة والجيش بعد أن صُغت هويته بلغة الحرب والمقاومة؟

لن نفهم الحاضر دون العودة إلى الماضي. خلال الاحتلال الإسرائيلي للجنوب (1982-2000)، كانت لغة الدولة اللبنانية، ممثلة باتفاقية الهدنة 1949 وجيشها الضعيف، تعني بالنسبة إلى أهالي الجنوب العجز والتخلي. الدولة في بيروت غارقة في صراعاتها الطائفية، والجيش منقسماً. الفراغ الأمني والسياسي كان بيت القصيد. من هذه الأرض المحروقة وُلدت لغة بديلة، لغة المقاومة المسلحة التي قدمها حزب الله وفصائل أخرى. كانت اللغة واضحة: البندقية تحرر، والمقاوم يحمي. هنا، لم تكن الميليشيا انحرافاً عن الدولة، بل بديلاً وظيفياً لها في ذهن من تعرض للقصف وانتظر الدولة فلم تأتِ. هذه الصدمة التأسيسية لا تزال تعلّم الأجيال أن قوتك في سلاحك وولائك، لا في وثيقة هوية ممزقة من دولة غائبة.

بعد التحرير عام 2000، لم يختفِ المنطق العسكري، بل تحول. لم تعد المقاومة مجرد فكرة، بل مؤسسة كاملة. قام في الجنوب ما يمكن تسميته بـ الدولة الموازية. هذه الدولة لها جيشها المدجج بالسلاح، وجهازها الأمني، وشبكتها الاجتماعية التي تقدم المستشفيات والخدمات والمساعدات. لها اقتصادها وخطابها الإعلامي والسياسي المسيطر، ولغة سائدة تتمثل بالثقة بالمقاومة والولاء للقائد والاستعداد للتضحية. في المقابل، ظلت لغة الدولة الرسمية ضعيفة: المدارس الحكومية بائسة، المستشفيات العامة عاجزة، والجيش اللبناني مقيد بميزانية ضئيلة وتوازنات طائفية، وممنوع عليه الواقع من منافسة القوة العسكرية للحزب في منطقته. لماذا سيتحدث المواطن بلغة بيروت الضعيفة، بينما يحصل على خدمات وحماية بلغة الدولة الموازية الفعالة؟

بعد أكثر من 4 عقود من الهيمنة، نواجه ظاهرة التطبيع مع اللاسيادة. الأجيال الشابة تشرّبت، ولو بدرجات متفاوتة، منطقاً مفاده أن السلطة الحقيقية ليست في الحكومة، بل في مقرات القوى الفاعلة. القضاء على جريمة قد يكون عبر الوساطة العسكرية، الحصول على وظيفة عبر الولاء، والشعور بالأمن مرتبط بقوة الحزب لا بشرطة الدولة. هذه العقلية لا تعكس بالضرورة قناعة أيديولوجية عميقة عند الجميع، بل عقلية براغماتية للبقاء. لغة الدولة، مع قوانينها وإجراءاتها البيروقراطية، تبدو لغة أجنبية، معقدة وغير مجدية في الحياة اليومية حيث الحلول السريعة تأتي عبر القنوات غير الرسمية المسلحة.

جنوب لبنان ليس كتلة صلبة واحدة، بل مساحة تتوزع فيها الولاءات. هناك مناطق يكون الولاء فيها شبه مطلق لحزب الله، وأخرى، خاصة في بعض القرى المسيحية والمناطق الساحلية، حيث ينظر الناس إلى الدولة والجيش اللبناني كلغة أمل للخلاص من هيمنة الحزب وتهديدات إسرائيل. هنا، لغة الدولة تمثل رفض الميليشيا والتوق إلى السيادة، بينما الانقسام يجعل أي حوار حول لغة موحدة مشروعاً صعب التحقيق. الجنوب إذن يتحدث بأكثر من لغة: لغة الحياة اليومية التي يسعى فيها الناس للسلام، ولغة المصير التي يفرضها واقع السلاح والصراع.

هل يمكن لجنوب لبنان أن يعتاد لغة الدولة والجيش؟ الجواب مرهون بتغيير معادلة القوى الحالية، ويتطلب دولة قادرة على تقديم بديل حقيقي في الخدمات والأمن والعدالة، وجيشاً قوياً وموحداً، وتسوية سياسية إقليمية تسحب الذرائع من تحت المقاومة المسلحة. في الظرف الراهن، تبدو هذه الشروط ضرباً من الخيال، لكن بدونها يظل الجنوب محاصراً بين مطرقة هيمنة الدولة العميقة المسلحة وسندان الدولة الرسمية الفاشلة. الانتقال من لغة الميليشيا إلى لغة الدولة ليس مجرد تغيير مصطلحات، بل قلب كامل لبنى السلطة والولاء والهوية، ولن يبدأ إلا عندما تصدق النخب أن لغة القانون أكثر جدوى من لغة الرصاص، وعندما يطمئن الناس أن الدولة ستأتي، هذه المرة، لتبقى.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.