: آخر تحديث

الأخلاق بوصفها "أداة" في السياسة الدولية: فضيحة إبستين نموذجاً

2
2
1

من الصعب التعامل مع ملف جيفري إبستين بوصفه "قضية جنائية أميركية" فقط. ما يتكشّف تباعاً بهذا الملف يعيد طرح سؤال أعمق: كيف تتحوّل منظومات تدّعي قيادة العالم أخلاقياً إلى مساحة إفلات للنخب، ثم تعود إلى تصدير خطابات حقوق الإنسان على الآخرين؟

الحقائق الأساسية في الملف واضحة: إبستين أُدين جنسياً سابقاً، وماكسويل أُدينت لاحقاً لدورها في استدراج قاصرات لصالح شبكة الاستغلال. هذه ليست رواية أو جدلاً سياسياً فقط، بل وقائع قضائية موثّقة انتشرت ملفاتها على مواقع التواصل الاجتماعي، ورفعت السلطات الأميركية الحجاب عنها للعموم. لكن الصدمة ليست في الجريمة وحدها، بل في البيئة التي سمحت لهؤلاء أن يستمروا لسنوات في ظل بطء كشف التفاصيل أمام الرأي العام. ومن هنا يبدأ المعنى الحقيقي لازدواجية المعايير.

واشنطن والغرب يرفعان سقفاً أخلاقياً عالياً جداً عندما يتعلّق الأمر بخصومهم الجيوسياسيين: عقوبات، حملات إعلامية، وصياغة سردية عالمية سريعة. لكن عندما يتعلّق الأمر بفضيحة داخلية تضرب قلب النخبة السياسية والمالية والإعلامية، يصبح الإيقاع أبطأ: تدقيقات طويلة، نشر مجتزأ، وخطاب قانوني بارد يطلب من الناس انتظار اكتمال الإجراءات والتحقيقات. الفارق غالباً ليس في قيمة الضحايا، بل في كلفة الحقيقة على توازنات الداخل.

وفي ملفات أخرى، تُستدعى اللغة القانونية الدولية بأقصى حدّتها عندما تكون القضية ضد خصم سياسي، بينما تتراجع الحماسة عندما تمسّ الشبكات النافذة داخل المعسكر الغربي نفسه. المشكلة هنا ليست في مبدأ المحاسبة، وهو مطلوب دائماً، بل في انتقائية التطبيق، أي في تفاوت المعايير بحسب هوية الفاعل وموقعه داخل ميزان القوة.

الأمر نفسه ينعكس في النقاش العالمي حول عمالة الأطفال وسلاسل التوريد. الخطاب الغربي يقدّم نفسه كمدافع عن حقوق الطفل والعمل الإنساني، وهذا جيّد من حيث المبدأ، لكن التناقض يظهر حين تُستخدم المعايير ذاتها بصرامة ضد الخارج، فيما تُدار أزمات الداخل بنَفَس سياسي وإعلامي أقل حدّة، خصوصاً عندما يكون المتورّطون من أصحاب المال والنفوذ.

وفي قلب فضيحة إبستين، النقطة الأهم ليست شيطنة مجتمع كامل، بل تشريح سلوك أفراد فاسدين حمتهم الثروة والعلاقات. هذه البنية تقوم على المال الذي يشتري الصمت، وشبكات النفوذ التي تؤخّر المساءلة، وكذلك على قدرة النخبة على إعادة إنتاج صورتها إعلامياً في ظل منظومة قانونية قد تكون قاسية على الضعيف ومرنة مع القوي.

المشكلة إذاً ليست في "الغرب" كفكرة حضارية، بل في طبقة مصالح عابرة للأحزاب تستخدم لغة الحقوق عندما تخدمها، وتُفرغها من مضمونها عندما تهدّد مواقعها. لهذا يصبح ملف إبستين سياسياً بامتياز، لأنه يختبر صدقية معيار العدالة نفسه.

هذه الفضيحة تعيدنا بالذاكرة إلى ملف ليس قديماً ويتعلّق بالحرب الروسية الأوكرانية، وتحديداً إلى ملف الأطفال الأوكرانيين الذين نقلتهم روسيا إلى أراضيها، ثم انفجر "الغضب" العالمي ودفع بالمحكمة الجنائية الدولية إلى حدود إصدار مذكرات توقيف بحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ومفوّضة حقوق الطفل الروسية ماريا لفوفا بيلوفا، على خلفية ما اعتُبر "الترحيل والنقل غير القانوني" للأطفال من مناطق أوكرانية محتلة. وهنا تحديداً تتبدّى عقدة الخطاب الغربي، حيث يتم تقديم القضية كاختبار أخلاقي كوني، لكن في المقابل يضعف الزخم نفسه حين تكون الانتهاكات داخل دوائر النفوذ الغربية. فالأمر ليس هذا من باب ترف الدفاع عن موسكو، بل من منطلق إظهار أن العدالة الدولية تفقد مصداقيتها عندما تتحوّل إلى أداة انتقائية حينما يتعلّق الأمر بالدول الغربية.

ليس بعيداً أيضاً عن التاريخ الحديث، فقد عمدت واشنطن لسنوات إلى استخدام أدوات ضغط تجارية وقانونية صارمة ضد الصين، تحت عنوان "مكافحة عمالة الأطفال" و"العمل القسري". وزارة العمل الأميركية وسّعت لوائح السلع المرتبطة بمخاطر العمل القسري أو عمالة الأطفال. وهذا بدوره يوضح كيف أن الغرب يملك آليات عقابية فعّالة عندما يتعلّق الأمر بالخصوم التجاريين، لكنه يواجه اختبار الاتساق عندما يطالب العالم بمعيار موحّد. إن كانت حقوق الطفل مبدأً عالمياً، فيجب أن تُطبَّق الصرامة نفسها على الداخل كما على الخارج، من دون استثناءات مرتبطة بالنفوذ السياسي أو المالي.

في المحصّلة، فإن فضيحة إبستين هي، اليوم، مرآة تكشف خللاً أوسع في النظام الدولي، وكذلك في حقوق الإنسان التي تُستخدم أحياناً كقيمة، وأحياناً أخرى كسلاح، بل في مقاربة الأخلاق بمنطق القوة، وحينما يتحوّل السؤال ليس إلى: من ارتكب الانتهاك؟ بل من يملك القدرة على التحكّم بالرواية وعلى إخفاء الحقيقة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.