: آخر تحديث

الإعلام والأخلاقيات الجديدة في العصر الرقمي

2
2
2

قبل هذه النهضة التقنية العملاقة في وسائل الإعلام التي يشهدها العالم، كان لمهنة الإعلام رونقٌ خاص وتقديرٌ مميّز عند المجتمعات العربية وغير العربية. كان الحديث شيّقًا حينئذٍ عن السلطة الرابعة، وقد كان هناك من يؤدّي هذه المهنة بكل شغف وجديّة من خلال البحث في تفاصيل بعض شؤون المجتمع، لتواجده المستمر كمتابع للعمل الإعلامي عن طريق مؤسسات إعلامية حقيقية لها عمل واضح ومنظّم، وتتعايش مع العمل كرغبة حقيقية لتقديم الخبر أو الموضوع وفق الدراسات الإعلامية التي تستوفي كل متطلبات المهنة، التي كان دورها في الأساس تقديم ما يفيد الناس، ويساعد من جانبٍ آخر على إيصال صوت الناس وحلّ مشاكلهم والوصول بهم إلى درجة متقدمة من الوعي. الإعلام في السابق، بكل تفريعاته، كان له حياة مختلفة وأسلوب في التعاطي مع كل الأحداث، وتقديم مجهود حقيقي لوضع مادة تليق بالمجتمع، وتسلّط الضوء على كثير من جوانبه التي تخدمه في المقام الأول، وتساعد على تجاوز الأزمات إن وُجدت.

في تلك الفترة، كان يُطلق على مهنة الإعلام والصحافة تحديدًا مهنة المتاعب، وكانوا يعنون هذا الأمر حرفيًا، كل هذا حتى يجد القرّاء أو المتابعون عبر الصحف أو التلفاز المواد الإعلامية التي تستحق المتابعة والتقديم للناس. وعندما كنا نتحدث عن الإعلام والإعلاميين، يشعر المنتمون كلهم لهذه المهنة بشيء من الفخر لما تعنيه هذه الكلمة من تقدير للذات، بدليل أن المجتمعات ما زالت تحتفظ في ذاكرتها بأسماء كثيرة من روّاد هذا العمل، ويتذكرون إسهاماتهم وإنجازاتهم ومواقفهم في بعض الأحداث والآراء التي كانوا يقدّمونها للمتابع في مختلف المجالات.

اليوم أصبحت الصورة الذهنية عن الإعلامي مشوّشة وخارج نطاق النضج الحقيقي لهذه المهنة العظيمة التي كانت راسخة في عمق التاريخ المجتمعي. هذا التطور والنهضة الكبيرة في وسائل التواصل وسبل التقنية الحديثة جعلا الكثيرين يعيشون في وهم الصورة الإعلامية التي وُضع لها بروازٌ مزيّف، دون أن يشعروا، وقد تناسوا أن لهذه المهنة شروطها ومتطلباتها وأسسها الصحيحة التي يجب أن ينطلق منها. الإثارة اليوم لا تعني أن هذا الشخص إعلامي ناجح، وليس بالضرورة أن يكون صاحب مهنة، ولا يمكن قبول فكرة أن الإعلام مهنة من لا مهنة له. هذا التصوّر فيه تجاوز عظيم على مهنة رائدة عاشت عقودًا من الزمن في فضاء الإبداع ومسيرة طويلة من التضحيات من أجل نقل خبر أو تقديم تقرير أو الحصول على سبق صحفي يعيش الناس أحداثه بكل تفاصيلها.

السياسيون في المجتمعات، أو من يهتمّون بالمجال السياسي، تجد كل اهتماماتهم تدور حول الوصول إلى الخبر وقراءة صحيفة موثوقة ومتابعة كل الآراء الصحفية التي تساعد على توضيح أي فعل وفق معلومات ومصادر خاصة بالصحفي، وذات الشيء يحدث في كافة المجالات الأخرى. لا أنكر أن هذا الاهتمام ما زال قائمًا لدى المجتمعات، لكن بطريقة متابعة مختلفة، فوسائل التواصل الاجتماعي اختصرت كثيرًا من المسافات، والطباعة الورقية اليوم توقفت تمامًا في كثير من الدول، وأصبح جهاز الجوال الذي يحمل الكثير من التطبيقات النافذة الأهم للوصول إلى العالم من خلاله.

وبالرغم من هذا التحول الكبير في وسائل الاتصال، إلا أن العمل الإعلامي ما زال يحتفظ بكثير من هيبته وأهميته، وإن كان التراجع ملموسًا وواضحًا للجميع. فقد اختلط الحابل بالنابل، وأصبح البعض يعتقد أنه بإمكانه تكوين مؤسسة إعلامية خاصة به بقليل من الإمكانيات البسيطة المعتمدة على بعض الإجراءات التوثيقية النظامية وفق قوانين كل دولة. فمن كانوا يعيشون في مطبخ الخبر، ويبحثون عن واقع المشهد، ويذهبون إلى كل مكان للتقصّي والتحرّي، قد اختفوا اليوم، أو لم يعد لهم مكان في ظل هذا التحول. وبالتالي ضعفت المصداقية، وأصبح البحث عن الشهرة والانتشار هاجسًا لكل من خاض في تفاصيل هذه المهنة على حساب الحقيقة والقيمة الحقيقية للخبر والرأي.

وعليه، يجب أن تكون الصحافة أو العمل الإعلامي، كما قال أحد كبار المفكرين، شجرة الحقيقة التي يُغرّد على أفنانها الكتّاب الصادقون.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.