لو طُرح هذا السؤال قبل عشر سنوات، لكان أقرب إلى السخرية منه إلى الجديّة. في ذلك الوقت، كان هناك جيل متعطّش للسينما إلى حدّ السفر مئات الكيلومترات، ودفع مبالغ ليست بقليلة، فقط لمشاهدة فيلم على الشاشة الكبيرة. تلك الحالة وثّقها أحد أبرز الأفلام القصيرة آنذاك، «السينما 500 كم» للمخرج عبد الله آل عياف، الذي عبَّر بوضوح عن شغف وحلم مؤلم لجيل كامل حُرِم من تجربة السينما.

المفارقة أنّ آل عياف يشغل اليوم منصب رئيس هيئة الأفلام السعودية، التي جاءت آخر مبادراتها بعنوان «في السينما أحلى»، إذ خُفِّض سعر تذكرة السينما إلى 20 ريالًا لمدة أسبوع. لا يمكن قراءة هذه المبادرة بوصفها حالة استثنائية، وإنما كجزء من سلسلة مبادرات قدّمتها الهيئة خلال السنوات الماضية، شملت تخفيض الأسعار، ودعم السينما الفنية، والعمل على نشرها في مختلف مناطق المملكة.
هذه الجهود، على أهميتها، لا يمكن فصلها عن حقيقة أساسية هي وجود أزمة حقيقية في ارتياد صالات السينما. هنا لم يعد السؤال: هل نملك صالات سينما؟ إذ تحوّل إلى سؤال أكثر مباشرةً وإلحاحًا: لماذا لا نذهب إلى السينما؟
سهرة مُكلفة
أحد أهم العوامل التي ينبغي التوقّف عندها للإجابة عن هذا السؤال هو العامل الاقتصادي. فتجربة مشاهدة فيلم في صالات السينما، مع إضافة ثمن الفشار والمشروب، قد تتجاوز 70 ريالًا أو تقترب منها، خارج إطار العروض الترويجية. هذا الرقم، مهما بدا عاديًا للبعض، يُشكّل عائقًا حقيقيًا أمام فئات واسعة من المجتمع، خصوصًا الشباب والطلاب، وهم الفئة الأكثر استهدافًا من شباك التذاكر.
بالنسبة إليهم، لا تمثّل السينما نشاطًا أسبوعيًا متاحًا، بل تتحوّل إلى رفاهية شهرية أو موسمية، رغم السعة التشغيلية الكبيرة للصالات، وقدرتها النظرية على استيعاب أعداد أكبر من الجمهور أسبوعيًا.
إلى جانب العامل الاقتصادي، تُواجه السينما تحدّيات موازية لا تقلّ تأثيرًا.
من أبرزها وفرة الأفلام الجديدة على المنصّات الشرعية والمقرصنة بعد وقت قصير جدًا من عرضها السينمائي، إضافة إلى المنافسة الشرسة على الوقت والانتباه في زمن السرعة. منصّات الريلز، مثل «إنستغرام» و«تيك توك» و«سناب شات»، أعادت تشكيل علاقة الجمهور، خصوصًا الشباب والمراهقين، بالتركيز والزمن، ممّا يجعل تجربة الجلوس ساعتين في قاعة مظلمة خيارًا أقل جاذبية لدى كثيرين.
وجود هذه التحدّيات لا يعني غياب الحلول، لكنه يستدعي التفكير فيها بجدّية أكبر.

أحد الحلول الأساسية يكمن في إعادة النظر في تسعير تجربة المشاهدة نفسها. لماذا لا تتاح مشاهدة الفيلم بسعر 20 ريالًا أو أقل؟ ولماذا يُعامل عرض الظهيرة بالمنطق السعري ذاته لعرض السابعة أو التاسعة مساءً؟ هذه بديهيات اقتصادية وثقافية لا تزال غائبة عن التجربة المحلّية.
المسألة لا تتعلَّق بالأسعار فقط، بل بالمكان أيضًا. معظم صالات السينما في السعودية اليوم محصورة داخل المجمّعات التجارية. هذا النموذج يعزل فئات واسعة من المجتمع، ويقصي أحياء مأهولة بالسكان من الذهاب إلى السينما، أحياء مثل منفوحة أو البطحاء لم هي بعيدة ومحرومة من هذه التجربة ؟!
لماذا لا تُنشأ صالات سينما اقتصادية وبسيطة في هذه الأحياء وغيرها، يكون هدفها الأساسي إتاحة السينما على هيئة أحد روافد الترفيه اليومية؟ ولماذا لا يُفكَّر في قاعات «درجة ثانية» تُعرض فيها الأفلام بعد أسابيع من رفعها من المولات، بسعر في متناول أصحاب الدخل المحدود؟
أذكر أحد المخرجين الذين حقَّق فيلمهم نجاحًا جماهيريًا كبيرًا، وكان يُخطّط لعرض فيلمه البدوي في مهرجان مزايين الإبل. ما نحتاج إليه فعلًا هو نشر السينما وبذل هذا الجهد للوصول إلى الناس.
هذا الطرح لا يُلغي أهمية الصالات السينمائية الفخمة في الرياض. فهي بلا شكّ تمتلك جمهورها الكبير، وناجحة وممتلئة في كثير من الأحيان. لكنّ النظرة يجب أن تكون أشمل وأكثر عدالة. فصناعة السينما لا تقوم على العروض الفاخرة وحدها، مهم جداً تنوع الجمهور ووصول الأفلام لرجل الشارع والجمهور، بوصفهما عنصرين أساسيين في حضور الفيلم وتفاعله اليومي.
بناء هذه العلاقة يتطلّب انتشارًا حقيقيًا للسينما في مختلف المناطق والقرى، وتوفير أماكن مشاهدة متحرّرة من قيود المجمّعات التجارية، ماديًا ومكانيًا. من دون ذلك، ستبقى السينما محصورة داخل دائرة ضيّقة، مهما توسّعت الصناعة شكليًا، ومهما تعدّدت المبادرات.

في حديث مع صديقي المخرج العراقي حسن هادي، مخرج فيلم «كعكة الرئيس»، أحد أبرز الأفلام العراقية لعام 2025، ذكر لي أنّ فيلمه سيُعرض في فرنسا في نحو 200 قاعة سينما. عندها تبادر إلى ذهني سؤال مؤلم: لو عُرض هذا الفيلم في السعودية، هل كان سينال فرصًا مماثلة لجهتَي التوزيع والانتشار؟

وماذا عن فيلم مثل «هجرة» لشهد أمين، مرشّح السعودية للأوسكار؟ هل يصل إلى جمهور أبعد من جمهور المولات؟ الإجابة التي نعرفها جميعًا تكشف كثيرًا وتعيدنا إلى جوهر السؤال: لماذا لا نذهب إلى السينما؟


