لا تمثّل إيران اليوم مجرد اضطرابات داخلية أو موجة احتجاج عابرة، بل تقف عند مفترق تاريخي يُعيد إلى الأذهان، بدرجة لافتة، المشهد السوري في عام 2011. حين يخرج الإيرانيون إلى الشوارع وهم يدركون مسبقًا أن الرصاص في انتظارهم، وأن الاعتقال والملاحقة قد تطالهُم وتطال عائلاتهم، فإنهم لا يمارسون فعل احتجاج مؤقت، بل يدخلون فعليًا في مسار ثوري مكتمل الأركان، يُشبه في منطقه وبنيته ما عاشه السوريون قبل أكثر من عقد.
في التجربتين، لم تكن الشرارة الأولى مشروعًا سياسيًا كبيرًا أو تنظيرًا أيديولوجيًا معقدًا، بل شعورًا إنسانيًا متراكمًا بالظلم وانسداد الأفق. في سوريا، بدأت المطالب محدودة: إصلاحات سياسية، رفع القبضة الأمنية، ومحاسبة الفاسدين. وفي إيران، خرج الناس نتيجة سنوات طويلة من القمع السياسي، والأزمات الاقتصادية الخانقة، وتقييد الحريات الشخصية والاجتماعية. في الحالتين، لم يكن إسقاط النظام هو الشعار الأول، لكن ردّ السلطة العنيف هو الذي دفع الشارع إلى تجاوز منطق الإصلاح نحو منطق الثورة.
القاسم المشترك الأوضح بين التجربتين كان اعتماد القمع خيارًا أول وأخيرًا. في سوريا، جرى الرد على التظاهرات السلمية بالاعتقالات والرصاص الحي، بدل أي مسار حوار سياسي. وفي إيران، يتكرّر النمط ذاته: استخدام مفرط للقوة، إطلاق نار مباشر على المتظاهرين، حملات اعتقال واسعة تطال الشباب والنساء والطلاب، ومحاولة كسر الإرادة الجمعية عبر الخوف. الرسالة في الحالتين واحدة: الدولة لا ترى نفسها إطارًا لحماية المجتمع، بل أداة لفرض السيطرة عليه، وحين تتحول الدولة إلى جهاز قمع، يصبح الصراع وجوديًا بين شعب يطالب بالحياة ونظام يخشى أي تغيير.
كما في سوريا، تظهر في إيران فجوة واسعة بين الواقع والرواية الرسمية. الأرقام الحقيقية للضحايا والمعتقلين تبقى بعيدة عن الاعتراف الرسمي، بينما تتحدث تقارير مستقلة عن أعداد تفوق بكثير ما يُعلَن. هذه الأرقام ليست تفصيلًا تقنيًا، بل مؤشرًا على عمق الأزمة؛ فكل ضحية جديدة توسّع المسافة بين المجتمع والسلطة، وتجعل العودة إلى ما قبل الاحتجاجات أمرًا شبه مستحيل.
وعندما تعجز الأنظمة عن مواجهة الأسباب الحقيقية للغضب الشعبي، تلجأ إلى خطاب جاهز: «المؤامرة الخارجية». في سوريا، وُصفت الثورة، بنصيحة وتوجيه إيراني، منذ أيامها الأولى بأنها نتاج تدخل دولي، مع إنكار كامل للأسباب الداخلية. واليوم، تُكرّر السلطات الإيرانية الخطاب ذاته الذي روّجه نظام الأسد آنذاك: الاحتجاجات ليست تعبيرًا عن أزمة داخلية، بل نتيجة تحريض خارجي. هذا الخطاب يؤدي وظيفتين واضحتين: نزع الشرعية عن المتظاهرين، وتبرير القمع باعتباره دفاعًا عن السيادة والأمن القومي. غير أن التجربة السورية أثبتت أن إنكار الواقع لا يُطفئ الثورات، بل يدفعها نحو مزيد من الجذرية.
على المستوى الدولي، تتشابه الصورتان أيضًا. في سوريا، صدرت بيانات إدانة لا حصر لها، لكن عند لحظة الاختبار تقدّمت حسابات المصالح الجيوسياسية على تطلعات الشعب. وفي الحالة الإيرانية، يبدو المشهد قريبًا من ذلك: دعم لفظي، وضغوط محدودة، وتردد واضح في اتخاذ خطوات حاسمة خوفًا من تداعيات إقليمية أو اقتصادية. هذه الازدواجية تكشف حقيقة مرة: كثير من القوى الدولية تتحدث بلغة القيم، لكنها تتحرك بلغة المصالح، وحين يتعارض الاثنان، تُترك الشعوب وحدها في مواجهة آلة القمع.
في ضوء هذه المقارنة، تبدو إيران اليوم أمام مسارين رئيسيين، لكل منهما كلفته ومآلاته:
السيناريو الأول يتمثل في استمرار النظام في خيار القمع الشامل. هذا المسار، كما أظهرت التجربة السورية، لا يؤدي إلى إخماد الثورة، بل يدفعها، بقصد أو من دونه، نحو العسكرة. فالقمع المتواصل قد يفضي إلى تسليح مجموعات مدنية تحت ذريعة «حماية النفس»، وإلى توسّع المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، وهو ما بدأت تظهر بوادره في إيران، حيث تخرج بعض المناطق عن السيطرة الأمنية ليلًا. كما قد تتوسّع الانشقاقات داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية نتيجة مشاهد القتل والانتهاكات. مثل هذا التحوّل يعني دخول البلاد في نفق صراع داخلي مفتوح، يصعب التحكّم بمساراته ونتائجه، ويُهدد بتفكّك بنية الدولة نفسها.
السيناريو الثاني يقوم على توصل إيران إلى تسوية استسلامية مع واشنطن، بهدف تخفيف الضغوط الخارجية وضمان بقاء النظام. في هذا السيناريو، قد يُصار إلى توسيع نطاق القمع داخليًا، تحت افتراض أن تحييد العامل الدولي يمنح النظام هامشًا أوسع لاستخدام القوة. صحيح أن حدّة الاحتجاجات قد تتراجع مرحليًا، لكن النظام سيكون، في الواقع، أضعف بكثير: فاقدًا للشرعية الشعبية، ومعتمدًا أكثر على الأجهزة الأمنية، ومُهيّأً للانهيار بشكل أكبر في مرحلة لاحقة، عندما تتجدد موجات الغضب في ظروف أشد قسوة.
في كلا السيناريوهين، يتكرّر الدرس السوري: الصفقات الدولية لا تحمي الأنظمة التي فقدت ثقة شعوبها، والنظام الذي لا يستند إلى قبول داخلي لا يستطيع البقاء إلا بدعم خارجي مباشر ومستمر، وهو دعم هش بطبيعته، قابل للتراجع في أي لحظة.
في المحصلة، تكشف الثورة الإيرانية اليوم عن كونها ثورة واسعة، عميقة الجذور، تتجاوز كونها احتجاجات مطلبية عابرة. إنها لحظة كسر للخوف، وبداية صراع مفتوح على شكل الدولة والمجتمع. التجربة السورية، بكل مآسيها، تقدم تحذيرًا واضحًا: القمع لا يُنقذ الأنظمة، بل يؤجّل سقوطها ويجعل كلفته أعلى.
من هنا، فإن دعم الثورة الإيرانية ليس شأنًا إيرانيًا داخليًا فحسب، بل ضرورة إقليمية ودولية. فخلاص إيران من نظام القمع يعني خلاص المنطقة من أحد أهم مصادر عدم الاستقرار. والرهان الحقيقي اليوم ليس على صفقات مع الخارج، بل على وقوف العالم إلى جانب شعب يطالب بحقه في الحرية والكرامة، قبل أن يدفع الجميع ثمن تجاهل هذه اللحظة التاريخية.

