لا تعمل المافيا الفكرية في العلن، ولا تحتاج إلى صوتٍ مرتفع كي تُسمِع أثرها. فهي ظاهرة هادئة، تتسلّل عبر اللغة، وتستقرّ في العناوين، وتعيد ترتيب المفاهيم دون أن تطلب إذنًا. فلا تُجبرك على تبنّي رأيها، لكنها تُضيّق الخيارات إلى الحدّ الذي يجعل رأيها يبدو الطريق الأسهل، والأقل كلفة.
وفي حضورها، لا يُلغى التفكير، بل يُوجَّه. ولا تُمنع الأسئلة، بل يُعاد تعريف المقبول منها. فتُفتح بعض الأسئلة على مصراعيها، وتُغلق أخرى بصمتٍ ذكي. وهكذا تُدار السيطرة، فليس بإيقاف العقل، بل بتحديد المسارات التي يُسمح له أن يسير فيها.
فالمافيا الفكرية تُراكم نفوذها عبر التكرار، تكرار الفكرة حتى تفقد غرابتها، وتكرار الوصف حتى يتحوّل إلى حقيقة غير قابلة للنقاش. ومع الوقت، لا يعود السؤال "هل هذا صحيح؟" بل يصبح "لماذا لا يتفق الجميع عليه؟" وهنا يُعاد ترتيب المشهد بما يُبقي المختلف خارج الضوء. ففي مناخها، لا تُقاس القيمة بعمق الفكرة، بل بقدرتها على الانسجام، الانسجام مع السائد، مع الخطاب المتداول، مع ما لا يسبّب حرجًا جماعيًا. أمّا الفكرة التي تتطلّب شجاعة ذهنية، فتُترك على الهامش، لا لأنها خاطئة، بل لأنها غير مريحة.
وتعرف المافيا الفكرية كيف تُلبس أفكارها ثوب الفضيلة، لا حمايةً للأخلاق، بل تحصينًا للموقف، فتُرفَع بعض الآراء إلى مقامٍ لا يُمسّ، لا لقوّتها، بل لما يحيط بها من قداسةٍ مصطنعة. والأخطر أن هذه المافيا لا تحتاج إلى قيادة واضحة، فهي كيان يقوم على التواطؤ الصامت، لا على القيادة المعلنة.
ولا تُهزَم المافيا الفكرية بالضجيج، فالضجيج أحد أدواتها، ولا تُهزَم بالمواجهة المباشرة، لأنها تجيد الالتفاف. إنما تُربَك حين يُستعاد السؤال الصافي، وحين يُمنح العقل حق التوقّف، وحق المراجعة، وحق الاختلاف بثباتٍ واعٍ.
وفي زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات، تصبح الفطنة أهم من المعلومة. فليس المطلوب أن تعرف كل شيء، بل أن تعرف كيف تفكّر فيما يُقدَّم لك. ولهذا، عليك أن تكون فطنًا، وأن تُحمِّل عقلك بدرعٍ من الوعي، يقيك الانجرار، ويمنحك القدرة على المواجهة دون أن تفقد اتزانك. فالحرية الفكرية لا تبدأ من كسر القيود الظاهرة، بل من مقاومة تلك التي تنفذ خفيةً إلى العقول.

