في العراق الاتحادي الجديد، لم تعد الأزمة سؤال موارد بقدر ما أصبحت سؤال أولويات. فحين تتحوّل المناصب إلى غاية بحد ذاتها، وتُختزل الدولة في صراعات النفوذ، يصبح المواطن هو الخاسر الدائم. وفي إقليم كوردستان، تتجلّى هذه المعادلة بأقسى صورها: ملايين البشر يعيشون ضغطاً اقتصادياً خانقاً، بينما تُدار ملفاتهم المعيشية بوصفها أوراق تفاوض لا حقوقاً دستورية.
منذ أكثر من عقد، يعاني الإقليم أزمة مالية مزمنة، لكنها بلغت ذروتها خلال السنوات الأخيرة بعد أن التزمت حكومة إقليم كوردستان بتسليم كامل إيراداتها النفطية وغير النفطية إلى الحكومة الاتحادية، بموجب اتفاقات رسمية متعاقبة، كان آخرها تفاهمات 2023–2024 التي نصّت على تسليم نحو 400 ألف برميل نفط يومياً إلى شركة سومو، مقابل التزام بغداد بتأمين الرواتب والمستحقات المالية للإقليم، وفق بيانات وزارة النفط العراقية وتقارير البنك الدولي. غير أن الواقع أثبت مرة أخرى أن الاتفاقات المالية في العراق تُوقَّع بسهولة وتُخرق بسهولة أكبر، لتبقى رواتب الموظفين رهينة الخلافات السياسية لا لحسابات القانون أو الدستور.
وفق تقديرات وزارة التخطيط العراقية، تجاوز عدد سكان إقليم كوردستان ستة ملايين نسمة، يعيش معظمهم على دخل ثابت مصدره الوظائف الحكومية أو الأنشطة المرتبطة بها. ومع تأخّر الرواتب وتقطّعها، تحوّل هذا التأخير من أزمة مالية إلى أزمة اجتماعية ونفسية، انعكست في ارتفاع معدلات الديون الأسرية، وتراجع القدرة الشرائية، واتساع رقعة القلق المعيشي في مدن كانت حتى وقت قريب تُعد من الأكثر استقراراً اقتصادياً في العراق، بحسب تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والبنك الدولي.
المفارقة الصادمة أن هذه الأزمة لا ترتبط بندرة الموارد، بل بسوء إدارتها وتسييسها. فالعراق حقق، وفق بيانات البنك الدولي، إيرادات نفطية تجاوزت 100 مليار دولار في 2022، واستمر في تسجيل فوائض مالية نسبية خلال 2023 بفعل أسعار النفط العالمية، ومع ذلك لم ينعكس هذا الفائض على انتظام رواتب موظفي إقليم كوردستان، بالرغم من أن الإقليم سلّم إيراداته النفطية فعلياً وامتثل لآليات الرقابة المالية التي طالبت بها بغداد، وفق تقارير ديوان الرقابة المالية الاتحادي.
هنا تتكشّف أزمة أعمق: أزمة ثقة بنيوية بين أربيل وبغداد جعلت من الرواتب أداة ضغط سياسي بدلاً من كونها استحقاقاً دستورياً لمواطنين يحملون الجنسية العراقية ذاتها. فالدستور العراقي لعام 2005 ينص على الشراكة في إدارة الموارد والثروات، وعلى العدالة في توزيع الإيرادات بما يحقق التنمية المتوازنة بين المحافظات والأقاليم، لكن ما يجري عملياً هو تعطيل هذه النصوص تحت ذرائع سياسية متغيّرة تُفرغ الفيدرالية من مضمونها، وتحولها إلى علاقة مشروطة بموازين القوة لا بسيادة القانون.
الأخطر أن أكثر من ستة ملايين كوردي باتوا اليوم يدفعون ثمن صراعات لا علاقة لهم بصناعتها. الموظف والمعلم والطبيب والعامل البسيط لم يعودوا يسألون عن تفاصيل الخلافات القانونية بين الحكومتين بقدر ما يسألون سؤالاً واحداً: متى تصل الرواتب؟ وكيف تُدار حياة أسرهم في ظل تضخم متصاعد، وأسعار خدمات أساسية في ازدياد، واقتصاد محلي يتآكل تحت ضغط عدم اليقين، وفق تقارير صندوق النقد الدولي حول الاقتصاد العراقي خلال الأعوام الأخيرة.
لكن الأزمة لا تقف عند حدود العلاقة بين الحكومتين. فالمسؤولية السياسية والأخلاقية تقع أيضاً على عاتق الممثلين الكورد في بغداد، من مختلف الأحزاب والكتل، الذين يُفترض أن يكونوا خط الدفاع الأول عن حقوق ناخبيهم. غير أن الأداء السياسي خلال السنوات الماضية كشف عن عجز واضح في تحويل قضية الرواتب والموازنة من ملف تفاوضي موسمي إلى أولوية وطنية ثابتة داخل البرلمان والحكومة الاتحادية. ففي اللحظات التي كان ينبغي فيها بناء جبهة كوردية موحدة، طغت الحسابات الحزبية والاصطفافات التكتيكية على المصلحة العامة، فخسر الإقليم ورقة ضغط سياسية كان يمكن أن تكون أكثر فاعلية وتأثيراً.
وفي الوقت ذاته، لا يمكن فصل أزمة كوردستان عن المشهد الأوسع للفساد المالي في بغداد، الذي بات، وفق تقارير منظمة الشفافية الدولية، أحد أخطر معوقات الاستقرار والتنمية في العراق. فالعراق ما يزال يحتل مراتب متأخرة عالمياً في مؤشرات مدركات الفساد، وسط تقديرات غير رسمية تشير إلى هدر عشرات المليارات من الدولارات في مشاريع وهمية أو عقود مشوبة بالمحسوبية، بينما يُترك ملايين المواطنين، وفي مقدمتهم موظفو إقليم كوردستان، يواجهون مصيرهم الاقتصادي وحدهم.
الأشد خطورة أن بعض القوى السياسية العراقية التي تعلن التزامها بالشراكة الوطنية في العلن شاركت بالفعل أو بالصمت في سياسات مالية أفضت إلى خنق الإقليم اقتصادياً عبر تعطيل التحويلات أو ربطها بشروط سياسية متغيّرة. هذه الممارسات لا يمكن فصلها عن تاريخ أطول من التهميش الاقتصادي للكورد داخل الدولة العراقية الحديثة، وهو تاريخ لم يُعالج جذرياً حتى بعد 2003، بالرغم من النصوص الدستورية التي بشّرت بعصر جديد من الشراكة والفيدرالية.
وتزداد خطورة هذه السياسات في ضوء نتائج التعداد السكاني الأخير التي كشفت بوضوح أن نسبة الكورد تجاوزت 14 بالمئة من إجمالي سكان العراق، وفق بيانات وزارة التخطيط. هذا الرقم لا يمثل مجرد إحصاء ديمغرافي، بل أساساً دستورياً وأخلاقياً لمطالبة الإقليم بحصة عادلة من الموازنة الاتحادية تتناسب مع ثقله السكاني ودوره الاقتصادي والسياسي في الدولة. تجاهل هذه الحقيقة لا يعني سوى ترسيخ شعور الإقصاء وتعميق فجوة الثقة بين مكوّن أساسي والدولة التي يُفترض أن تمثله وتحمي حقوقه.
من هنا، فإن الأزمة الحالية لا يمكن معالجتها عبر حلول ترقيعية أو تفاهمات مؤقتة تُبرم تحت ضغط اللحظة السياسية ثم تُنسف مع أول تغيير في موازين القوى. المطلوب حل جذري يعيد تعريف العلاقة المالية بين أربيل وبغداد على أسس قانونية مستقرة، يبدأ بتشريع قانون النفط والغاز المؤجّل منذ 2007، مروراً بإقرار آلية دستورية واضحة لتحويل مستحقات الإقليم، وانتهاءً بفصل الرواتب والخدمات الأساسية عن الصراعات السياسية بوصفها حقوقاً غير قابلة للمساومة، كما توصي بذلك تقارير مراكز الدراسات الدولية المعنية بإصلاح الحكم الاقتصادي في العراق.
كما أن حكومة إقليم كوردستان، التي قطعت شوطاً مهماً في الإصلاح المالي والإداري خلال السنوات الأخيرة، تواصل ترسيخ معايير الشفافية والانضباط في إدارة الإيرادات والنفقات، بما يُسقط أي ذريعة سياسية لتعطيل حقوق مواطني الإقليم. فمعركة الحقوق لا تُدار من موقع الشكوى، بل من موقع الدولة الواثقة بمؤسساتها، القادرة على تقديم نموذج حكم أكثر كفاءة وعدالة ومساءلة داخل العراق الاتحادي.
وفي جوهرها، لا تمثل أزمة رواتب كوردستان خلافاً مالياً عابراً بين حكومتين، بل اختباراً حقيقياً لفكرة الدولة العراقية ذاتها: هل هي دولة مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، أم دولة صفقات تُدار فيها حياة الملايين بمنطق الغلبة والمساومة؟ حين يصبح المنصب أهم من الراتب، لا يكون الخلل في الموازنة وحدها، بل في البوصلة الأخلاقية للنظام السياسي بأكمله.
وما لم تُستعاد هذه البوصلة عبر شراكة اتحادية حقيقية، وإصلاح مالي جذري، وتمثيل سياسي مسؤول، فإن أكثر من ستة ملايين كوردي، ومعهم ملايين العراقيين الآخرين، سيبقون خارج حسابات السلطة، يدفعون فاتورة صراعات لم يكونوا يوماً طرفاً في صناعتها.


